مررت ذات حلم بديار ليلى العامريّة..
قصدت خيمتها ونبض في وريدي يرتجف خافقا توقا لرؤية ربّة القصيدة العذريّة..
وقفت والرّماح منتصبة حول خدرها تحرسها من قافية تفرّ من بوح قيسيّ الهمسات. أُذنت لي بعد لأي فولجت خطاي مجلسها وجلة كأنّما تخشى أن تؤذيه عوالق طريق طويلة بين حضارة بلا رائحة للهوى وبداوة تعبق عشقا..
ألفيتها تتصدّر حلقة شعر يتناثر بين يديها سرّا من أفواه صويحباتها وعيناها تجوسان حول المكان تحسّبا لعاذل متنصّت..
سألتها وحيرة تنخر فؤادي :” أيا عامرّية لم التدلّل..؟! تهوين قيسا وتذرينه في محارق التّيم مجنونا، للحرف في قصيد هواك يتذلّل..؟! لم النّوى وكلّ منكما بنار البعد انكوى، والعمر سريعا، كبدر عن سماء الوجود يأفل. .؟!”
تاهت عينا العامريّة في أفق طوى بين جنبيه ابن الملوّح هائما بوحي جنون هواها يترنّم .. جالت بين عيون الصّويحبات تتمنّى عليهنّ دفق بوح من ابن العمّ به روحها الظّمأى تنعم..
ردّدت:” أيا لهف وريد في خافقي بات بعض خيط حرير أبلاه القدم.. طلاسم، يبدو هوانا ، يا ابنة زمن الحبّ المثلّج والقصيدة المعلّبة تتبادلونها بينكم كسيجارة مشرّدة يتلقّفها فم تلو الفم.. أنا في درب قيس بوصلة بها يهتدي إلى مسالك وعر ثنيّات القريظ في الخافق المتيّم.. وما قيسي إلا سمائي بها أتلحّف، وما قيسي إلا مشعل أذبّ به غربان أفق قتم.. فماذا عساك ترومين من عذل عاشقين تسربلا بالوصال رغم النّوى وباعدهما القدر رغم نحيب الفؤاد وعويل الرّحم..؟!””
قلت وغربة عن زمني تنخر حلما كان مزهرا في الوريد :” أليلى الولهين، ترمّدت مواقد الحرف في رسائلنا وعن مرابض قوافينا نأى رويّ بالشّوق يهمس.. تيبست خمائل الغزل في أغانينا وٱستوردنا في الحب بعض قصيد لا يروي ظمأ مرهف حسّ.. أليلانا، وقيسك يغار من نسيم يمرّ على الخدر يسلّم.. ما لنا إلّا الحنين إلى هواكما راكبة نمتطيها نثمل بخببها وبهيامها في خمائل الوجد ننعم.. خذيني صورة سبيّة في قصائد قيسك علّي أصطبغ ببعض نداها وذات ٱرتواء أفيض منها على زمني المعدم…
رفعت ليلى كفّها تحبس ضحكة تخشى بها يزداد قيس جنونا.. و ردّدت :”يا ابنة الحجر والآجر والقرميد أوبي إلى ربعك.. مالنا لذاك الزمان شجون.. هدهدي الصّمت في الأضلع العجاف تطلب شذى اللّيلك.. و ٱرتقي فلول العمر في رداء قصيد أبلته عاتيات السّنين.. حديث هوانا كؤوس مزاجها زنجبيل.. عسى الله كما سقانا منها سقاك.”
خرجت من مجلسها تكاد عروقي تتيبّس ظمأ، أتوق إلى ابن الملوّح علّه يسقيني بعض قافية في هوى ليلاه ما سدّت له الرّمق..
تاهت خطاي في البيد أقفو خطاه.. وإذ بي أحس براحة تهدهدني وأسمع صوتا هامسا يردد:”انهضي.. أما سمعت المنبه؟! أم نسيت أنك اليوم تدرّسين صباحا..؟!”
فصحت:”تبّا لزمن لا نرتوي فيه من شهد القصيدة..”.

أضف تعليقاً