تنتصب الأعمدة كأشباحٍ متنمِّرةٍ تحيط بالميدان الفسيح؛ مرسلة أضواءها عيونًا تزفرُ فحيحًا، تغمرأرجاء الساحة؛ فتترصد ذاك الواقف بالوسط وحيدًا، تتشععُ ظلالُهُ حوله متشبثةً به، تكبِّلُ قدميْه، كلما حاول الخلاص فارًّا نحو الحافة؛ تتطاول وتقصر وهى متحلقة حوله لاتُفْلته، تستشيط غضبًا لفعلِهِ؛ فتجذبه نحو البؤرة ثانيةً .. نالهُ التعب، دسَّ يديْه في جيْبيّ معطفه الكالح؛ يبحث عن خبيئته في أركانها، أصابته الخيبة، واعتراه القنوط حين عادت خاويةً، يحدِّثُ نفسه:
ــ أيناها تكون قد ذهبت ؟! .. أتُراها تحلَّلت ـ بعد طولِ مُكْثٍ ـ أم تبخَّرت، أو ربما تسللت هربًا من مصيرها ؟! .. ولِم العجب والجميعُ تشظَّى من حولِك، وتركوك وحيدًا ؟!.
حين رفع من إطْراقتِهِ الطويلة؛ أعْشَتْهُ حِدَّةُ الأنوارِالمتحفِّزةِ كأنها سِهامٌ مِشرعةٌ نحوه ، ردَّ بصره إلى قدميه محاولاً انتزاعهما من قيودهما.. اعتراه الفشل، تهاوى كومةً متهالكًا، مُثْقلاً بالخواءِ والضياع ..
دبيب أحذيةٍ ثقيلةٍ تطرقُ الأسفلتَ الباردَ ـ تفرَّقَ مصدرُهُ في أُذُنيه ـ يأتيه مع تقدُّمِ جحافل الظلام تطوق الميدان .. يُحكِمُ يديه حول رأسه المدفون بين ركبتيه .. تتكالب عليه ظلالُه ، تنهشهُ بلا رحمة؛ بينما القاعُ يميعُ من تحته شيئًا فشيئا ـ كلما تقدَّموا ـ حتى يحتويه ..
ضبابٌ كثيفٌ يغمر المكان .. تغيم الرؤى أمام عينيه، تحتجب المئذنة التى كانت تتراءى له من بعيد عبر شرفة طابقه الملكيِّ في بنايته العملاقة، يضغط هلالها -بفكَّيهِ- على رقبته بلا كلل ولاهوادة، ودموعٌ مهيضةٌ ساخنةٌ تتساقط فوقه مطرًا مالحًا تلسعه؛ فيتقلب صارخًا .. يرفع يديه، يمدها لأعلى نحو أكفٍ خشِنةٍ يابسةٍ لطالما ردَّها كسيرةً، يستجديها ليتشبث بها؛ فتتقهقر مبتعدة غير مكترثة لحاله، تردد:
– نهرتنا ورددتنا؛ ولكنَّا لن ننهرك .. الزرع زرعك؛فامض وشأنك
يستفيق .. وعرقُ غزيرٌ لزجٌ يغْمره، وصدى هلوساتِهِ يتردَّد في الأرجاء:
ــ الرحمة.. خلُّوا سبيلي .. لن أعاود .. لن أعاود
تنسحبُ المصابيح وصخب ضحكاتها الساخرة يجلده، تنسلُّ ظِلاله النافرة في إثرها مُوَلِّيةً تمتطي المجهول.. يخيِّمُ السكون، ويتمدَّدُ الظلام؛ إلا من ضوءٍ ثلجيِّ يُرسِلُهُ القمر الساكنُ بعيدًا يترقب، ومابقِيَ سوى ظِلٍّ وحيدٍ بائسٍ لايُفارِقه أينما ولَّى ..
- خُواءٌ
- التعليقات