الدخان المنفجر من بين شفتي كلهيب بركان ما عاد يحتمل ضغط ثقل الأرض فتحرّر، يخرج كعمود أبيض ينتشر حين يطمئن لرحابة الفضاء، كل نفثة من الدخان تحررت من ضيق صدري حملت معها شيئا عشّش في داخلي، شيء يمزّقني، يؤلمني، يحملني لحدود اليأس، فأجدني وأنا على بساط الدخان أطير لعوالم أرسمها كما أشاء، وأمحوها كما أشاء.
غريب، أيكون في هذا الدخّان المتصاعد من جوفي متعة وراحة ونشوة، وذاك الطبيب كلّما شكوت له عن علّة اتخذت من جسدي موطنا نصحني بالابتعاد عنه !.
تزرعني ساعات الصباح الأولى على كرسي بجانب النافذة البلورية المطلّة على ساحة العامة للبلاد، في مقهى حفظتُ تفاصيلها، وحفظتْ مطلبي، ومرادي، ومكان انزوائي. قبل أن أطمئن في جلستي تنتصب “شيشتي” (أرجيلتي) بجانبي الأيمن، القنينة الممتلئ نصفها بالماء تزيّنت بصورة باشا تركي بلباسه التقليدي، وخرطوم الدخان يخترق كثافة شاربيه المستشذرات إلى العلا، لمَعانُ حُلّيها النحاسي المتدلّي زادها جمالا، وحبّات الخرز البلورية كلّما تحرّكت الشيشة تمايلت وتراقصت ببهرج وضياء.
روّادها تعرفهم بسيماهم، أسمال مثقفين، ممن قرأ في غفلة من الزمن بعض الصفحات، وظن بهزيل كلماتها أنه امتلك مفتاح لكلّ ما استغلق في هذه البلاد، وكلّ ما استظلم في هذا الزمان، تعرفهم بربطة العنق المائلة، واللحية المتنافرة، وشعر الرأس الأشعث، يبربرون بكلمات أعجمية اتخذوها زينة وتفاخرا في حواراتهم، الجرائد المنكمشة تحت آباطهم تفضح جهلهم بجهلها، هي منتهى علمهم، ومورد أخبارهم.
كلّ صباح يتكدّسون حول طاولة ناءت بما حملت، من فناجين القهوة، وأعقاب السجائر المتناثرة حول الطفّاية الممتلئة، وبقايا من علب السجائر المتفاوتة في الشكل والسعر. تتلاشى رائحة القهوة التي بين أيديهم في زحمة الدخان المتطاير.
تتداخل أصواتهم، ترتفع حينا، وحينا تتسم بالهدوء، لا يعجبهم في البلاد شيء، يرون أن حلّ
أزمتها فـي تطبيـق أفكارهم، ونظرياتهم، وإن تناطـحوا فـي الأفكـار تراهم يتناهشون بمخـالب
كلمـاتهم، تسللتُ مـرّة في الحوار معهم، التـفت إليّ أحـدهم، عيناه أصابها احمرار، ورائحة ما
تجـرّعه فـي الليل لم يمـحها الصباح، قـال لي بلهجـة مقطّعة، وثقيلة، حملت مع ازوراره كلّ
معاني التكبّر وشمخرة من ادّعى ثقافة وعلما:
ـ أنتم جيل النكسة والهزيمة.
أشحت بوجهي عنه إلى الباب، ردّدت بداخلي: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) فإذا بكلب طواه الجوع،
مشرّد، يركـض وراءه الصبيـان، دخـل يحتمي بالمقهى، اختلـط عواءه ونباحـه، أصاب أصحاب
النظـريات هلـع مـن هذا الفزع، لـم يعرفـوا للمهرب مسلـكا أو سبيلا، تعثـروا بالكراسـي، التفّـت
الساق بالساق، الصراخ فاق العواء، سقط بجانب شيشتي مخاطبي، نفثت في وجهه الدخان، قلت
له: بل أنتم جيل النكسة والهزيمة.
- دخّان
- التعليقات