منذ بداية ظهور فن القصة القصيرة جدا, اختلفت حولها الرؤى بين رافض بالمطلق لتجربة جديدة تطفو على سطح السرد, و مجدد عاشق بهوس محموم, و محايد مترقب للسيل الجارف من النصوص و القراءات التي تغزو ساحات الأدب القصصي, و بين هذا و ذاك أخذت القصة القصيرة جدا تكمل مسيرتها نحو التأصيل, و تتضح معالمها, و تنكشف لغتها, و تثبت معاييرها, و تتراكم المنجزات الأدبية الإبداعية, ويجد النقد نفسه مجبورا للتبحر في مكنوناتها, و التعاطي مع خطابها السردي, فيضمحل عدد الرافضين نزولا عند رهبة الطوفان, و تنقشع سحابة الضباب عن المترقبين, إلا أن مشكلة أخرى غزت جمال هذا الفن يقودها المتعصبون, فكل يحاول فرض اسلوبه الكتابي, أو يحاول أن يبسط رؤيته على رؤى الآخرين.
ومع انتشار هذا الفن, و دور التكنلوجيا وعالم الانترنت, و المواقع الالكترونية, أصبح للقصة القصيرة جدا حضورا و انتشارا واسعا, و أصبحنا نسمع بمسميات ليس لها وجود سوى في مخيلة مدعيها, كالقصة الشرقية, و القصة المغاربية, أو القصة المطلسمة, و القصة الوامضة.
في رؤيتنا للقصة القصيرة جدا, و التي نحاول أن نجمع حولها أدباء الوطن العربي في صفحات هذا الملتقى, دون أن نفرضها على الآخرين, أو نصادر رؤاهم, فإننا نجد أن:
-القصة القصيرة جدا فرع من عدة فروع (القصة الطويلة, القصة القصيرة, الأقصوصة, القصة القصيرة جدا, القصة الومضة), تدور جميعها في رحى النوع, وهو (القصة), التي بدورها تنبثق من جنسأدبي أكبر هو (السرد).
-للقصة القصيرة جدا أشكال كتابية متعددة, سواء عالميا (Mini saga, Drabble, Twitterature, A six-word story) وصولا إلى ال Flash fiction القصيرة, أما عربيا فإننا نرى بأن القصة القصيرة جدا لم تخضع لشكل كتابي محدد, وما يطفو منها على فضاء الكتابة ثلاث أشكال هي:
1- الشكل القصصي المكثف جدا, ويمتد من 6 كلمات إلى بضعة أسطر.
2- الشكل القصصي القصير, ولا يتجاوز بعض الجمل القليلة جدا (٥٠-٦5) كلمة – تقريبا-
3- قصص الـ 100 كلمة +/_, ويكون قريبا في صيغته الحكائية من نَفَس الأقصوصة.
-أما رؤيتنا في منظور الأركان و الأسس التي أطلقها الباحثون و المنظرون و تعددت في صورها ( الحكائية, الجرأة, الوحدة, التكثيف, المفارقة, الفعلية, الشعرية… الخ), فنحن نجد بأن تلك المعايير لا تتمثل بالقصة القصيرة جدا فحسب, إنما هي معايير تتواجد في كافة أنواع السرد, و تتعدى للشعر, بتفاوت, وليس منها ما يميز القصة القصيرة جدا عن باقي أنواع السرد سوى عنصر التكثيف , بشرط أن لا يكتفي بتكثيف اللغة, إنما يشمل تكثيف الحدث, فتكثيف (اللغة و الحدث – معا-) هي الخاصية الوحيدة التي تميز القصة القصيرة جدا عن أنواع القص الأخرى, اضافة للدلالات و التراكيب التي ترسم صورتها الخارجية, و تنطق بثنائية المعنى التأويلية.
-حجم القصة القصيرة جدا غير مقيد بعدد محدد من الكلمات, إنما هو كل ما يؤكد مصداقية الأشكال الكتابية أعلاه, و بما لا يزيد على الصفحة.
-عقدة الخواجة, أو الوقوع تحت التأثير الغربي, فإننا نعتقد بأن المدارس النقدية ما هي إلا انعكاسات لثقافات العالم من حولنا, و لابد لنا من شعوب عربية, ذات حضارة تاريخية عريقة, أن تكون لنا فلسفتنا الخاصة في منظور الأدب المعاصر, و امداده بثراء فكري, ولا يعني قولنا هذا إننا نقف بالضد من الانفتاح على الثقافات الغربية إن كان ذلك من باب التواصل والاطلاع, وليس من أبواب التأثر, إذ أن النتاج الأدبي سيكون يوما ما جزء من التراث بالنسبة للأجيال اللاحقة, ومن ثم فإن فهم التراث في ضوء ثقافة مغايرة قد يخضع ذلك التراث إلى قوالب جاهزة في حالة عدم مراعاة هذه الفروق الثقافية بين المجتمعات, و كما يرى الاستاذ/ عدي عدنان محمد في بنية الحكاية في البخلاء للجاحظ, وما تقدمه لنا القصة القصيرة جدا العربية من تراكم نصي فإنه يضعنا أمام سعة ابداعية للناقد للتقييم والتنظير والمقاربة, ويحقق مفهوم الهوية العربية.
- رؤية حول القصة القصيرة جدا
- التعليقات