طال وقوفهم وأعناقهم مشرئبّة إلى الأفق يتأمّلونه بحنق..
لا يزال يمتدّ أمامهم وجها عابسا لا يبشّر بوطن..
اشتدّ عنته وسواعدهم ما فتئت تلين، وسكاكر الأمل في أفواه الخانعين سريعا تذوب..
لجّوا في تيه النّبض عن درب الفؤاد متسائلين عن سبل بلوغ ضرع سماء غد حلوب..
نادى بعضهم:” لنبن في منابر جامعة العرب صرحا به نغزو آبار تلك السّماء وحولها نضرب أوتاد الحياة فلا جدب ولا ٱرتحال..”
وهتفت أصوات:” هلمّ نربكها بقهقهاتنا المجلجلة في المقاهي علّ خطاها تَهِن فتنكسر قِربها و تغسلنا من هوان العرض على الرّجال..”
وهمس آخرون :” بل البدر سيّدها وفاتنها.. هلمّ نتملّقه ونرجوه أن يغازلها فيتهاوى عتوّها و تذوب وجدا فتلين مغاليقها وتمطرنا شهدا محلّى بالوصال..”
من حيث لا يدرون خرج فيهم طفل على منبر الفعل خطيبا..
ٱستغفر وسبّح وحوقل وبسمل ثم قال :”أيا جمعا تقلقل فيه القول والفكر.. وباح بما عن عاقل لا يبدر.. فنطقتم بلاهة ترومون تقفّي الأماني، ألا تبّت أمانيكم وما عنكم إلينا صدر..
ما لسماء الغد معراج إليها عبره تَسرُون..
ولا البدر عاشق تائه تغريه خارطة وجد بها إليه تُدلون..
حلولكم خَور ..
والفكر في مجالسكم حين قبرتم أجدادكم قُبر..”
ضجّوا ..
وفي يمّ التّيه لجّوا..
صاحوا :” أصغيرا ينتعل الحرف في فيه ألف راحلة إلى أفق الحكاية.. والفطنة في مسارب رأيه إلى القول دثار.. هب شيبنا عذرا ومالنا حقّ اعتذار.. تبخّرت حكمة كانت هنا فخرا لنا ذات هاجرة جور جثمت علينا ترتشف بقايا ندى.. والوريد فينا لازال منتفضا كخافق أثمله بوح الخلّ حين وله صبا.. أديمنا حجر ودربنا بيد بلا نجم ولا قمر وليالينا سهر بلا سمر..”
تململ الحجر تحت قدمي الطّفل جمرا متّقدا ففرّت من شواطىء الغضب فيه نوارس الحلم تلحس ما خطّه ثائر على كلكل ذاك الجدار..
رفع بصره نحو الأفق ..
رأى نجما و هلالا و شمسا مصفرّة فزعا من وجل الكبار..
تهلل وجهه بشرا..
انزلق بصره من الجدار إلى الأديم..
صار وجهه خميلة يتراقص الفراش على أهدابها الجذلى. تناول حجرا ملتهبا حنينا إلى الأكفّ الثّائرة. رماه بقوّة السّاعد سهما يفتح للأفق دربا مطيّته عشق الزّغاريد تنطّ من دار إلى دار..
فأطلّت غيمة خجولة تمشي إلى سماء الغد في خفر..
صاح :” ارموا حجرا..
وٱهتفوا تكبيرا..
يلثمكم أفق الغد ممطرا..
ويمسي خطوكم بأديم العمر جديرا..”
ارتفعت الحجارة محلّقة مجامرَ تحرق آنا ثقيل الخطو يدنّس شمسا مصفرّة أبدا تغيب.. وتهاوت وابلات غيث تروي حلم الزّيتون وهو يتغنّى “غدا أمتدّ فيئا لتراب وطن عشت فيه دهرا كالغريب..”
- رقص حجر
- التعليقات