شاسعة مساحة الوجع في عينيك..غامضة نظراتك الغريبة المريبة.. نظراتك التي تسترقينها خلسة كلما تقاطعت دروبنا الموحشة..كلما التقينا في المنعطفات الوعرة..كنت أبحث في المدى الواسع ،عن حضارة تشبه الحضارة..عن إنسان يشبه الإنسان ..عن بسمة صادقة تشبهني.
أجوب الشوارع الباردة المفعمة بالضجيج..باللغط المبهم..بهياكل بشرية تجيئ وتروح كالمراويد المجنونة..أذوب في الزحمة كما يذوب الأخرون..أحمل في دخيلة الروح قمرا ساطعا..وبلابل مغردة..وحقولا عذراء.
اخرج صباحا-كما العادة-بآلية مملة..واعود مساء هيكلا متعبا محملا بالخيبات..كي اشكو للنجوم ظلم المدينة ،وعبث المدينة ،وزيف المدينة..كي ابوح بخفاياي ..باشيائي الحميمة المهددة بالانقراض وافجر غصص الصدر الدفينة .
عشر أعوام وأنا أخلص لهذا المسارالمبرمج بدقة القدر..لهذا المسار المستدير الذي لا ينتهي ..وأحسني ضائعا..هائما ..شريدا في متاهات حالكة.
تمر نظراتك بسرعة البرق وتترك خلفها حيرة وحرائق اسئلة عميقة:
-أتراها تعرفني..أتراها تستفز ذاكرة الورد والأغنيات في دمي..أم تراها تبحث عن جسر ما كي تصل الى كهوف الصدر السحيقة…؟؟؟
تمر نظراتك خاطفة..حارقة..وقاصمة..وتتركني فريسة ألوك الاحتمالات الممكنة واللاممكنة .
في آخر التقاطعات العابرة..في آخر الدرب..التقت أعيننا..كانت نظراتك فاحصة -هذه المرة-ومركزة وطويلة،وكانت في عينيك حدائق عطشى تبحث عن مطر حنون،وطيورا مكسورة الجناح ،وبراكين هائجة تأبى الانفجار،وفيهما وجدت منارتي المفقودة..وكينونتي المفقودة..ووجدت رائحة الإنسان..كانت عيناك –هذه المرة- تودعاني بلغة الصمت ،وكأنك ذاهبة دونما أوبة أو رجوع.
وفي الصباح الباكر –ذات خيبة-نهضت كما العادة..كيما اغوص في الزحمة لأستمع الى اللغط المبهم نوأتصفح الجراد المملة حد الغثيان،وتشدني صفحة صفحات الحوادث :
– إلقاء القبض على عصابة أشرار أثارت الرعب في المدينة..
– مقتل شاب على قارعة الطريق بخنجر صديقه.
– انتحار فتاة بجرعة زائدة من الحبوب المهدئة،وبجانب الجثة ورقة مكتوبة بالأحمر القاني:‹طفح الكيل..وانفجرت البراكين..وماتت الطيور..أحبك فوق ما يصف اللسان›.

أضف تعليقاً