عيناه ألفتا العتمة..
سمْعه ما عاد يضجّ بصراخات الطّفل يستجدي ثدي أمّه المتيبّس حليبا.. وذلك المجنون القابع بجانبه في زاوية القبو يحتضن ركبتيه بات له صديقا. كان يلذّ له سماعه يدندن:
“خاف الوليد ما جاع..
مِدَكٌّ مِدَكٌّ هذا العمر..
في دروبنا صهيل ونعيق ونهيق.. وبكاء هسس.. آذن الذّئب تتشمّم كلّ ثغاء
تمتدّ أيديه تقتطف كلّ ثاغ بخوفه يستعر.. تنحَر على مذبح العشق جديا ملّ مأمأة فصاح باع..”
كلّما أدرك اللّفظ الأخير قاطعه:
“الجدي.. باااع..؟”
كان يعجب للمجنون يهزّ رأسه هزّ الحكيم المتبصّر، ترحل نظراته خلف العتمة وهو يردّد:
“نعم يا صاحبي..
بلا ثمن.. باااع
وعاد يتلمّظ وثاقا به كان يسُوسُ شتاءات أوجاع..
أصاحبي…
تاه وباع..
والرّوح تشرق بعدَ الغرغرة بالضّياع”
كان المجنون يشرق بكلماته فيدسُّ رأسه في معطفه يلعق بقايا مصّاصة لا تفارقه.ويمتدّ صمته طويلا..

وتتعالى قهقهات الأطفال ويكتم الرّجال آهاتهم والنّساء ترثين بصمت أعراس الوطن..
امتدّ صمت طويل..
هدأت ارتجافات السّطح فوقهم..
كانت عيناه تتقفّيان صرير الباب حين اصطدمتا بوابل نور يتدفّق إلى القبو..
أسرع يغطّي وجهه بيديه.
دوّى صوت من أعلاهم:” انتهت الحرب..”
امتدّ صمت ثقيل ثمّ تعالت زغاريد النّساء تعانق الفرح..
على رؤوس الرّجال طيور وجل.. لا أقسى على رجل من أن تعشّش على رأسه طيور الوجل.. تشبّث الأطفال بأسمال أمّهاتهم.. ردّد المجنون:” بمَ عساه قايض لنا هذا الشّتات، هذا الضّياع..؟”
تدافعوا نحو الباب..
درجات السّلّم تحت أقدامهم تنتحب.. الجدران تردّد دندنات المجنون.. الشّمس تستقبلهم متوارية خلف حُجب خجل.. وقف متثاقلا..
نظراته تتشبث بعيني المجنون اللّتين تلاحقان سحابات العتمة المختنقة بالضّياء..
رآه يلملم سرابيله ويقف.
تناهت إليه منه رائحة بخور ومسك وعنبر..
تغرغر بالدّهشة.. أنّى كانت تستتر عن رادارات حاسّة شمّه..؟
تمتم:” كلّ جَمال من هول الحرب يستتر..”
تعالى صوت المجنون يردّد وهو يقفز على درجات السّلّم متعلّقا بجدائل الضّياء:
“جمال..
آآآآآآآآآآآآآآآآآه.. كم تعبت جمالي سعيا
وأرهقها وزر الحمّال..
أرى في سفن الورى خطانا تخبّ نأيا
زادُها نشيد روح تاهت خلف السّؤال..
نمشي نسترق الخطى..
أديمنا يرتضع طلّا ما همى..
لهفي علينا أأنا..
تشتاق لخبب خطانا وعود نثرناها مُنى..
نحن شتات تذروه ريح الوغى..
على غصن سدر علقتُ.. انتشلني يا أنا..
مزقا نبيتُ والرّيح تمرّغنا فوق شوك النّوى
تبكينا المآذن والقباب وتراتيل الهوى..
وقد رمّدت مجامرَ الحلم أوجاعُنا..”
توارى المجنون خلف الضّياء.
متثاقلا تقفّى كلماته.. تصعّد الدّرج مثقلا بكلكل فصول اهترأت أيّامها في ذا القبو..
توقّف في منتصف السّلّم.. جالت عيناه في القبو. هاله ضيقه.. ندّت عنه صيحة:” أنّى ضمّ كل ذاك العدد المهول من النّاس..؟”
من تحته سمع همهمة وتمتمة:
” القبو في رحم الأرض ممتدّ
والأرض يتّسع رحمها للحياة مهما ضاق مداه..
سننبجس من جوف الرّماد بواسق غد
ينساب رحيق زهرها نهرا لا حدّ لمجراه..”
أسرعت نظراته تلاحق الصّوت.. صبيّ كان يلعق حلوى المجنون ويحملق في بقايا العتمة..
هبّ إلى الصّغير يضمّه، يرفعه، على كتفيه يضعه، ويصّعد الدّرج نحو الضّياء..
على ضفّة الصّمت يتسمّرون..
المدينة ركام حياة وأدخنة فقد..
يرتجفون لهبّة رياح..
الأفق يمتصّ شهدَ الشّمسِ رويدا رويدا..
وجه السّماء الشّاحب تزداد دكناؤه، يتجهّم، تذرف مُقله بعضَ هَطل.
تتناهى إليهم أنّات ناي.. من عُلاه يترنّم الطّفل الصّغير:
“جُد يا غيم بوابل
ما عاد يروينا بعض طلّ إن همى..
جُد يا غيم بوابل
لا قطرة أولى ولا بشائر بندى..
اُدنُ يا غيث من حُلمنا المنسيّ..
انقر على الزّجاج.. أومىء “مرحبا”.
.هشّمه ..توسّط دربنا الآتي..
راقصنا على وتر اللّقاء..
أرهقنا الكلب الأسود بعوائه المُدمي
وجراب الأفق مثقل بالغناء..”
أزهرت على جنبات الرّكامات بقايا غصون ياسمين ودفقُ السّماء ينهمر يروي أرواحا أظمأها وجع الغياب.
انحنوا إلى الأطفال يحملونهم على الأعناق..
تعالت أصوات الصّغار:” خلف الرّكامات المترمّدة يجدل الأفق ضفائر من ضياء ويتراقص على عزف رمادها ولدان الفجر..”
تجول نظراته في الوجوه الشّاحبة والسّواعد المتشبّثة بالصّغار..يتأمّل البسمات المتشظّية فرحا ووجلا..
المجنون على بقايا المئذنة العتيقة ينادي للصّلاة..
تعلو تراتيل الأجراس..
يرفع رفشه يزيل ركاما مترمّدا.. يهبّ إليه الآخرون..
يطربون لعزف الفجر.

أضف تعليقاً