1- الريحُ مُوَلولة غاضبة، السُّحُب دَكناء تعْبرُ الأفق، الشوَارعُ حَزينة تكادُ تخلو منْ النَّاس، أكوَاخُ القرْيَة صَامِتة هَادِئَة،عُصفورَة السُّهوب {أم ألهاني} تلازمُ عُشّها الآمن، كالنخلة السَّامِقة المُثقلة بالرَّطب الجنيِّ، تزيّن أطرَافَها الحُليُّ أسْوارًا وقلائِدَ، تختفي خلفَ أسْوار الابْتسَامة، تعيشُ غُربتها وتشعُر بالملل، الوحْشة تقضمُ قلبها وتدميه، في المَسَاء تنتابها رغبة في احْتسَاء فنجَان قهْوة، تُحَضِّرها على الحَطب، هيَّ من حَرائر بيْتٍ ذاع صيته في {البيرين} فارسَة مِغوَارَة، ذات هَيْبة وجَمَال وحُضُور قويّ، أزهَرَت كوَرْدَة الأرَيج العَبقة في بَرَاري السُّهوب، أفرَدت أشرعة الشَّوق لثوْرة التحرير، تحنو على المُجاهدين، تهَبُهم مَالا وبندُقيّة ورثتها عن جَدِّها، وَمَنْ يَكُونُ جَدُّها؟ إنه صَاحِب الثروَة الطائلة، والسُّمْعة الطيِّبة {الوكال بن رُوبة} تتحرَّك الكؤُوس الفارغَة وتهْتز، حُثالة من الأشرَار المُرتزقة، أسقط الاسْتعمار منهم الضّمير الإنسَاني، جرَّدَهم من الانتمَاء، كائِنات جَائعة تُحَاصرُ عُصفورَة السُّهوب، يَا للعَجب ! يتصنتون في خرَس الظلمة وخلف الستار، يتهامَسُون بأحَاديث سَاحقة، يُذيعُون الأسْرار، أمُّ ألهاني أهْدت سلاحَها للثورة، غريبٌ وعجيبٌ أمر هؤلاء! مِسْكينة تحتضنها الهَواجس تدْمي قلبها، فكيف تواجه ذلك المصير، وهي تكابد لوحدها التِيه؟ امْرأة تمْلك سلاحًا تهْديه للثوار! الكلمات توقظ في النفس جرْحا، وتشي بالانتقام، ألفاظ مُضرَّجة بالدَّهشة، تحمل وشاية حَاقدة، يَنتشرُ الخبر الصّاعقة، يتمدَّد في أطراف القرْية كغضبان حَديد، تنتظر المسكينة تائهَة خائفة مفزُوعة والجرحُ مُتغضَّن، تتصاعدُ لديها نبضات الخوف؛ تحْتسي قهوتها السَّاخنة، ترْتعِش أصابعُها ويسقط الفنجان، يا إلهي..ماذا يَحْدث؟ تشعُر بقشعريرة في جَسدها، يُصيبها الفزع، يا للهَول..إنهم قادمُون، تبحْلق في البعيد بعينين زائغتين، أجل.. إنهم يقتربون، همهمات ودمدمات، صارت السَّماء في عينيها أضيق من خرم إبرة ، لطفك يا الله !.

2- في ذلك اليَوْم الكَالح الوَجْه، من أيَّام الثوْرَة العَصِيبة، في مسَاءات الشِتاء الباردة {عام 1959 } طوَّقت فرقة الدَّرك الفرنسِي الحيَّ، وضرَبت بأقدامِها أرْض المكان، يقتحمُون البيْت الآمن؛ في عُيونهم جَمْر ولهَبٌ، يتسَللون قبْل الغرُوب، يتلهفون وبشبَق للدم، ذِئَابٌ شرسَة، تتضوّر جُوعًا إلى الفريسة، يُفتشون، يُبعثرون الأثاث، ينهلون عليْها ضربًا بالسيَّاط والأقدام، تقفُ مَذهولة أمَام هَوْل صرخات الأنذال، تفرجُ عن أسْنان لؤلؤية غطتها الدِّمَاء وثغرٌ نازف، سُؤال يتردَّد صَداه وبقوة؛ أين البندقيّة؟ ترْتعِشُ بَيْن أيدهم، تخرُج ما في صدْرها مَكتومًا، لم يُمهلوها أن تسترْجع أنفاسَها الضائِعة،لا تجدُ ما تقول سِوَى هذا الجواب، ببرَاءَة النسَاء الفضليات الواعِيَّات، بقلب مُرْهف بالإحْسَاس والخجل، تقول: أخذ البندقيّة العَسْكر! جَاؤُوا بَيْتي مَسَاء، يَحْملون بنادق كتلك التي تحْملونها، وأشارت بأصبعها، بُهت الضابط النجِس، وصَفعَهَا بوحْشيّة عَلى الوَجْه، كان المَساء مُكتظا بالتهَاويل والأشبَاح، مَازلت أذكرُ تِلك اللحظات الحَرجَة, وأنا طفلٌ يَافعٌ، القلب الصَّغير يَنبُض شفقة وحَنانا، العُيون دامِعة، أمُّ ألهاني مُنكمِشة على نفسها، في مُواجَهة تشبه الموْت، ترمُقهم بسهام المقت والتحْقير، أراها تتخبَّط بين مخالبهم، تتلقى الرَّكلات والصّفعات، ترْفعُ صوْتها، في وجْه المُرتزقة الأجْلاف ذوي الضمَائر الميّة وهم يُمْسكون بها، يقودُونها في تبجُّح وعُنف، اليَدين مُخضَّبتين بالحنة، مُكبّلتين بالأغلال، تصْعدُ الشاحنة العسْكريّة مُتعثرة مُلتفتة، حَافيَّة القدمَين، حَاسِرَة الرَّأس، خائفة مُتجَرْ جرة، الشمْس في عيْنيها ترتجفُ، الكلاب تتنابحُ رَاكِضة، الدم شلالا يمْلأ وجْهًا صبُوحًا يَطفحُ بالحُمرة، فسْتانها الأبْيضُ مُلطخ بالأحْمر القاني، خمارُها مُعفرٌ بالطين، غارقة في بَحْر من سديم، في القلب آهَة مَخنوقة، وبيْن ذيْنك الوحْشيْن لا تسْمعُ إلا أنينا، تخفي خوفها، ترْسلُ الآهَات والنظرات بعُمْق السَّواد في عَيْنيها الوَاسعتين، تومِئ بإشارات صامتة إلى أنيس وحدتها ذلك البهلول، فيرْفع صوته باكيًا مُستعطفا صارخا.. يا ويلي أخذوها..! يرْكضُ خلف الشاحنة، وتبقى الشمسُ ترْتعشُ في كفيْها، الدُّموعُ على خديْها أثلامًا، ترمي على رأسها وشاحَ العِفَّة، تخفي صدْرها، جريئة في الدفاع عن نفسها، ولكم هيَّ عظيمَة في صبْرها ومُكابدتها !.

3- تلمْلمُ شظايا جَسَدهَا المنهوك، تجْلسُ أمَام المُحَقق، ينفردُ بها في غُرْفة المُوَاجَهَة، يُحَدّقُ فيهَا بعَينين مُرتبكتيْن، يُمطرها بحزْمة من الأسْئلة، ماذا فعلت يا امرأة؟ هل جاءك الفلاقة؟ يَمْشي خَطوات باتجَاه النافذة، يتقدّمُ أحَد الجلادين، يُمسك بها ويَلفها كالثوب الناعم، يرْمي بجَسدها الزبانية في حَوْض مَاءٍ مُلوَّث، يُسلط عليها صواعِق كهربائيّة، يَغطسُها ثانيّة وثالثة في ذلك المَاء الرّاكد العَفن، فتكاد تخْتنق، ويُخرجُها عاريَّة ترتجُّ، وأسْنانها تصْطكُ، بصَلف وانحطاط أخلاقي يدُوسَها برجْليْه، أعوَانه يلهُون بجَسَدها، يتفرجُون، يَسْخرون، يتلذذون بعذابها، الكلاب تنهَشُ لحْمها الطري، يَسْألها فتسْبقُ سُؤاله، تجهش بالبكاء، تصرخ: كلاب ..جُبناء..وحُوش فيقول المُحَقق مُتنهدًا: نحن الذين صَنعْنا أعْداءَنا بظلمنا وجَبرُوتنا، يَجْمَع أوْرَاقه المُبعْثرة يَلفها، يخرُج مُسْرعًا، فيرْمى بها الجُبناء في زنزانة تختزن الظلام وهي فاقدَة الوَعْي، لتفترش التراب، تقاوم لسَعات الْحَشرات، تطلب جُرعة ماء ولا تظفر إلا بالخيْبة، تنادي عَبر ثقوب الباب، يَا هذا..يا أنْت..سَاعدني..يا إلهي..أصبحت سَجينة، تستأنفُ البكاء الذي يُشبهُ النواح في كل صَباح ومَسَاء، أشهُرٌ ثلاثة وبضْعة أيَّام قضتها على تِلك الحَالة، إلى أن اكتحل بَصَرُهًا بنور الحُريّة، تسْتسلم لليَأس أوْجَاعا وأحْزانا، آهاتٌ تقطع أحْشاءَها، تُحْصي أوْهامَها، قد جرَّدوها من حُليها وأمْوالها، ومن قبل سَرقوا ارض أجْدادها، تجْلسُ على عَتبة الزَّمن مُتألمة، مُتنقلة بيْن البيُوت، تعُد مَا مَضى، تُعانق النسمات الْحَزينة في رفق وَودَاعَة، كشبَح يَنام بيْن الجُدرَان، ترْقدُ حيْث الأشيَاء النَّائمَة، تنفردُ بنفسهَا في مَكان طاهر، تقتات على الهُدُوء، تنبشُ في الذكريَات، ولا تدْري على أيّ جُرح تتكئُ، {والعَينُ بارعة في إخفاء أحزانها} أمُّ ألهاني ابنة الركزة، تتوسَّد أتعابها، وتغفو على وجَع الجراح،عُصفورة السُّهوب المجاهدة، امْرأة فذة صابرة، تزرَعُ رشقة العطر في لمَّة الجَوَابر، تمدُّ طلبة زاوية الهامل بالمَال والطعام، وتسْعد بالأهل من حَولها، في العيْنين دمْعٌ يأبَى السُّقوط، وعلى الثغر ترْسلُ ابتسَامة حَزينة، إيه.. تغيبُ أمُّ ألهاني في حَنايا الرُّوح، ترْحلُ ذات صيْف في هُدُوءٍ، وهيَّ ضارعَة في الْحَنان؛ وللترَاب كانت ترَابًا.

أضف تعليقاً