ارتعش القلم ثانية في يده…أصابه الشلل…جفت في طرفه الكلمات …تبخرت. ..ماذا به؟! يعجز حتى الآن عن كتابة كلمة في مقاله الأسبوعي (غداً وبعد غد). أحس بالمرارة تنزف داخله…تملأ جوانب أعماقه…تغمرها. تصل إلى حلقه فتلسعه. أحسها كاوية حارقة تثقب جلده…تصنع لها عيوناً…فوهات براكين…تطفح خارجه…تحدث طوفاناً يلفه حتى اذنيه…فيغرق في بحارها.
ألقى القلم جانباً…في اشمئزاز مصمص بشفتيه وكأنه يرتشف المرارة…يتذوقها.
تطلع في كوم الصحف والمجلات أمامه…لتصطدم نظراته بصخور العناوين المسننة…لتجرحه حتى أعماقه…”ألف مليون شخص يموتون جوعاً قبل عام 2000″…”ضبط خمس فتيات جامعيات تقمن بالدعارة”…”الكوليرا تهدد العالم”…عدد سكان العالم يزداد بمعدل 2% سنوياً فيصل خلال 40 سنة إلى 8 بلايين نسمة”…”طبيب هندي 30 سنة يجري جراحة لتعقيم نفسه”…”طالب يذبح والده من أجل المال”…”المجاعة والأوبئة تهدد بنجالاديش وبعض الولايات في الهند”…”موجه الجنس والعري تجتاح أفلام السينما”…”ارتفاع الأسعار”…”الثوار الفيتناميون يواصلون انتصاراتهم”…”الخنافس…والهيبيونالجنس الثالث إلى أين؟!…”…”تطور الأبحاث الأمريكية_السوفيتية المشتركة في مجال الفضاء”…”مجهول يختطف فتاة في الرابعة عشرة ويغتصبها”…”قرارات تموينية هامة تذاع اليوم”…
أغمض عينيه ليهرب من الواقع الماثل أمامه…هز رأسه يمنة ويسرة…وكأنه ينفض عنه سواد أفكاره…سأل نفسه في تهكم:
ماذا تحمل أيها الغد؟!
أدهشه أن يواجه نفسه للمرة الأولى بهذا السؤال…أحس وكأنه يفتح على نفسه باباً من جهنم يقذفه باللهيب…بحث حوله وبجد عن الجواب…ليجده ألسنة محتقنة متمردة…تتدلى من أفواهها…ترتعش أطرافها…تنزف…تسيل منها المرارة…نفس مرارته.
أمسك القلم بوضع من يمسك خنجراً ليطعن به…لم يرتعش القلم في يده هذه المرة…عرف ما سيكتبه…وفي لوثة راح يرسم خطوطاً ودوائر قاتمة متداخلة …لا نهاية لها…حتى اسودت الورقة أمامه.

أضف تعليقاً