ذات صباح خريفي، كمن ألقت به آلة الزمن في مكان وزمان سحيقين، وقف جامدًا كالتمثال أعلى كوبري المشاة في ميدان التحرير، (قبل إزالته للتطوير)، يتأمل جحافل النمل البشري الزاحفة في كل اتجاه… الحركة واحدة، والمآرب شتى!،
ها هو بعد النجاح المدوي في ماراثون الثانوية العامة، ينضم إلى قافلة ضحايا التنسيق، وقد طوّح به مجموعه الكبير فصعد إلى هاوية إحدى كليات القمة، محشورًا في غرفة من غرف المدينة الجامعية مع بضعة نفر من أوائل محافظاتهم، قد تنافرت طباعهم كأقطاب مغناطيس هائل بحجم أجسامهم، لا يملك منهم فكاكًا، ولا يستسيغ لهم صحبة!
في الوسط يمتد موقف الباصات العتيق، على يمينه تتلألأ لافتات شركات السياحة والطيران، وعلى يساره تقبع جامعة الدول العربية بجوار المتحف، يا لهذا العبقري الملهم الذي خطط لهذا الجوار الدقيق، فالأصنام على أشكالها تقع!
لا يدري – هل في عينيه فقط أم في عيون كل الناس – تماهت صور الرجال والنساء، فقد اصطدم به منذ قليل كائن لا يدري له جنسًا، وهذه فتاة قد قصت شعرها، حُشرت في قميص شفاف، وبنطالٍ يضيق بها وتضيق به، ومشت مشية الرجال في جد مصطنع، وهذا فتى يتغنج في مشيته بدلال، يتراقص شعره بين كتفيه العريضتين، لا يمنعه من الطيران في الهواء مع كل إيماءة سوى شريط عقصه به أعلى قفاه، وقد تورد خداه بحمرة غير عادية، ولمع قرطٌ ذهبي في حلمة أذنه، وطوقت عنقه قلادةٌ، وأحاط رسغه سوار.
تحسس شاربه الكث الذي جاء به من بلدته القاصية، ليطمئن أنه مازال مستقرًا أسفل أنفه، ثم أخرج منديله المحلاوي فبصق فيه بصقة كبيرة، ومضى لا يلوي على شيء.

أضف تعليقاً