أمسك بالقلم مفكراً فيما سيكتبه، و عندما لم يظفر بشئ أخذ يبحث عن فكرة قد تكون باقية من الأفكار التى طردها بالأمس فلم يكن يميل إلى الكتابة حينها. وجدها منزوية فى ركن مظلم من عقله تبدو عليها علامات الضعف والإعياء، و كأنها فى الرمق الأخير ، تلقفها بسرعة و تعهدها بالرعاية و راح يصفها بكلمات تدفقت على الورق كالشلال، فما لبثت أن تشكلت قصة تنبض بالحياة.
عرض قصته تلك على من يثق برأيهم ، فعبروا عن أعجابهم بالفكرة وأسلوب معالجتها وتكامل أركانها وحسنها وجمالها و و … ألخ.
أعاد قرأتها فهاله ما رأى، فقد صارت قصة فاتنة أخذت بلبه، و تعجب من كونه كاتبها وتعجب أكثر أن تلك الفكرة الواهية التى وجدها حين أراد أن يكتب شئ أى شئ صارت قصة تبهر من يقرأها، كعروس في يوم زفافها أو فراشة ودعت شرنقتها منذ قليل.
فوجد نفسه تخاطبه: أيها الاديب الفنان لقد تعجبت منك أكثر من تعجبك من فكرتك التى استحالت قصة مشوقة، فلقد حنوت عليها وكأنها طفل صغير ضاع من والديه فغدوت مكانهما، وشملتها بالرعاية، وسهرت الليل حتى تورمت عيناك وأنت تنتقى لها أبلغ الألفاظ وأرق العبارات، و أتيت لها بزخرف القول و سليم المعانى.
فقال لنفسه: إنما تعجبى من إضاعتى لأفكار كثيرة كانت تحلق حولى كما يحلق الباعوض حول النار، وكنت انتحى منها جانباً فتلح على فأجد لها طنيناً كطنين النحل فأتضايق لذلك فتذهب الأفكار كغيمة صيف ما تلبث أن تنقشع، وما كنت أتضايق حقيقة ولكنى كنت مشغولاً بأمور أعترف أنها كانت تافهة، والأفكار كانت قوية ولكنه الكسل كان يأخذنى منها فتنطلق مبتعدة عنى، و كأنى مصاب بمرض معدى.
فقالت: دع عنك ما فات فلن يفيدك الندم شئ سوى الحسرة و الضيق، و قد يصل بك ذلك إلى الإكتئاب، لقد تعلمت من هذه الفكرة البسيطة المتهالكة درساً أحسب أنك لن تنساه ما حييت، و حينما تأتيك فكرة أخرى أسكنها دفترك، و تعهدها بالرعاية فقد يأتى اليوم الذى ترتدي فيه فكرتك ثوباً جميلاً تتباهى عندما تقول للناس هذه فكرتى.
- فكرتى
- التعليقات