مستحيل أن يلتقيا، فعمر شاب يعمل في مصلحة الكهرباء في المدينة، وعلي شيخ يقبع في منزله في قرية مع أبنائه الأربعة الذين كلما ازدادوا قوة انحنى ظهره أكثر كأنما يقتاتون على سنامه. و بما أن عمر يخرج اليوم مبكرا في مهمة نبيلة هي قطع الكهرباء على الذين لم يسددوا الفاتورة، فقد اضطر إلى ترك قلبه في منزله، وتعطيل دماغه عن الاستنتاج، فهذا عمله وكفى، فقد استنفد جميع المبررات، ولم تعد تعني له كل الاحتجاجات شيئا.
اليوم الجو حار جدا، وقطع الكهرباء قد يسبب المشاكل للناس، لكنه يتحامل على نفسه ليصل إلى القرية المقصودة التي تأخر عن الدفع فيها خمس منازل، لابد أن تتم العملية بسرية وبسرعة حتى لا ينتشر الخبر، فإذا أمسك به الناس، فلن يرحموه، ولاسيما وهو مشبوه بسيارة الشركة، وربما يهرب عنه السائق للنجاة بنفسه.
يخرج أداته عند اقترابه من المنزل الأول، وقبل أن يشرع في عمله يسمع جلبة وصياحا، لا يفهم شيئا، فيقف مذهولا فترة يسيرة بدت له دهرا في هذا الوقت المبكر خشية أن يزيد من مأساة أهل البيت، ثم يحزم أمره، ويقطع التيار الكهربائي، فيسكت كل شيء، ويجمد عمر في مكانه دون تبرير، وبعد لحظة يفتح الباب، فيشاهده الشباب، فيجرون خلفه، فيهرب، ورغم نحافته التي تساعده على الركض السريع إلا أنهم مصرون على مطاردته.
أخيرا أمسكوا به في صمت بعدما تعب من الجري وتوقف مضطرا، ثم حملوه على أكتافهم، فعرف أن الانتقام ينتظره في المنزل، فحاول التملص منهم والصراخ ولكنهم كتموا أنفاسه، وأدخلوه إلى المنزل بالقوة، وأحكموا إغلاق الباب، ودعوه إلى تناول الفطور معهم، فعلم أنه العرض الأخير قبل تنفيذ الإعدام، فأقبل على الفطور، وهو يغالب البكاء، ويقول لهم:
ـ لم أقم سوى بعملي..
ـ لقد قمت بأكثر من عملك..
ـ والله لم أزد عليه، فمنزلكم على رأس القائمة..
ـ المهم، سندع هذه المسألة لأبينا، هيا أبي لقد طال ظهورك..
يخرج الشيخ علي المنحني الظهر عابسا، فيقترب منه فيزداد عمر رعبا، ويصافحه، ويقول:
ـ هؤلاء الكلاب آذوك؟
ـ حاشا لله، لقد رفعوني على أكتافهم..
ـ يلتفت الشيخ إلى أبنائه، وينهال عليهم لكما وركلا فيتفرقون من حوله، ويقول:
ـ من المؤكد أنكم أخفتموه، ليس من عادتنا إفزاع الضيوف..
يسكتون، فيقترب الشيخ من عمر، ويضمه إليه وهو يبكي، فيعتقد عمر بأنه في مصحة مجانين، وليهدئ الشيخ من روعه يقول:
ـ اجلس يا بني، وسأحكي لك ما يطمئن قلبك..
يجلس عمر حائرا، ولكن قسطا من الخوف قد زال عنه، فيشرع الشيخ في الحديث..
ـ هؤلاء البغال كانوا ينظرون إليّ وأنا أموت دون أن يحركوا ساكنا.
ـ متى؟
ـ قبل قليل..
ـ لم؟
ـ بعدما توضأت، وأردت إطفاء المصباح أصابني الكهرباء ولصقت يدي بالجدار المبلول، وصرخت، فجاء أربعتهم كما تشاهدهم الآن وبقوا يتصايحون دون أن يعرفوا ماذا يفعلون، وقطعت أنت الكهرباء..
- قدر
- التعليقات