النص للكاتب عبد الله الميالي

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

استهل الكاتب عنّونة النص “ألغام ” نكرة غير فاضح بموضوعية وتوازن وانسجام مع ما يتضمنه متن القصة بواجهة مُثيرة للمتلقي وبأسلوب لغوي سليم وبتركيز وإيجاز دقيق بالإضافة إلى أنه يتمتع بمقبولية وتوافق مع الذوق العام وانطلاقه لفتح باب للتأويل من العَتبة الأولى ..
وعند الولوج إلى ما يخفيه النص الّذي تتوفر فيه كافة الأركان من حيث الحجم والتكثيف والإبتعاد عن الحشو والإطالة الّتي تُسبب النفور والتركيز الشديد وضغط الكلمات الّتي تأتي من كاتب بارع وعارف بتقنيات السرد القصير جداً في بُعديه الرمزي والدلالي كما أن الصُبغة الفنية من دراما وشخوص ووحدة الحدث كانت على درجة من التناسق والإنسجام فيما بينها..
كما أن القاص أراد أن يُبين لنا تجربة السّفر بما فيها من ارتحال وغموض وشفافية وتحليق ليربطها بأسلوب أدبي في أحد أهداف السفر الّذي هو الفرار من الموت، وأن هذا الوعي حاضر بشكل خفيّ ودائم منذ رحلات الهروب في الميثولوجيا الإغريقية، مروراً برحلة جلجامش، الحقيبة في السّفر تكشف للغرباء الكثيرَ عن المسافر؛ ذوقه، عنوانه، ومستواه الاجتماعي. الحقيبة في رواية “الأبله” لدوستويفسكي هي صرّة ملابس صغيرة يحملها الأمير ميشكين وتلخص رثاثة حاله منذ بداية الرواية. أما الحقيبة في رواية إيتالو كالفينو “لو أن مسافراً في ليلة شتاءٍ باردة”، فإنها تصبح عبئاً ثقيلاً بالنسبة لصاحبها.
في مقالة “رفيقك الصموت” يقول القمحاوي: “المسافر الأقوى هو الذي يتحكم بلحظات غضبِه ويعامل حقيبته برفقٍ، ولا يغترّ بصمتها. فهي لا تردّ على كلّ نأمة تذمّر، لكنها تختزن مشاعر الضيق، وتخرجها دفعة واحدة، كأن تتمزق وتكشف أسرارَه، أو تتخلف في المطار، ثمّ تعود متأخرة أو لا تعود.”.

دائماً ما يلجأ الكُتاب إلى استخدام رمز الحقيبة للدلالة على المُسافر الغائب أو المُهاجر عن وطنه وقد وفق القاص بهذه الإستعارة وربطها ما يُبرر هجرة الكثير من الناس جواً وبحراً وبراً وترك أوطانهم هرباً من الظلم والاضطهاد الذين يتعرضون له في بلدانهم لعلهم يجدون ضالتهم ..

ليصل بنا إلى خاتمة مُدهشة بخصائص فنية بقفلةٍ شاعرية مُضمرة من خلال “امتلأتْ كَفْيّة دَماً” للإشارة إلى ما تمر به البلدان من مآسي واضطرابات وقتل وتهجير قسري يتعرض ابن البلد لها ويبقى الحنين والشوق إلى تراب الوطن الّذي احتضن مآسية وآلامه وأحزانه وأفراح وتدمع عيناه عندما تُصيبه سهام الذكرى الّتي تَتَأجج كلما رأى صديقاً قادماً من بلدِه حاملاً على ظهرِه أوجاعه وماضية.

أضف تعليقاً