النص للكاتبة رولا العمري
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
القصة تعالج قضية الأبعاد الثلاثة للزمن، و الصراع الموجود بينهما في أذهان شريحة كبيرة من الأمة، مصوّرة تلك النظرات المختلفة إلى حد التصادم و التناطح كالثيران لتفرض كل فئة نظرتها بالقوة على الأخرى، البعض يريد أن يعيد الماضي بحذافره ليحيه في حاضرنا و يشيد به مستقبله بغض النظر عن العيوب التي يحملها في طياته، و دون مراعاة الظروف الحالية التي لا تشبه ظروف ذلك الماضي البعيد، رغم ذلك يفرضون أفكارا لا تصلح لزماننا هذا بحجة التمسك بالأصالة، و عدم نكران ارث الماضي المجيد الذي شيّده الأجداد و تركه لنا الأسلاف، و لا يلقون بالا للعصرنة التي يحيونا بها و فيها، و يضربون بالمعاصرة عرض الحائط بعد أن بهرتهم الحضارة الحالية، بعض غلاة هذه الفئة يمزجون التراث بالدين إلى أن غلاّفوه بهالة من القداسة التي يُحرم خدشها و لو بكلمة.
الفئة الثانية تنكر كل ما هو قديم، تعطيه ظهرها و لا تولية أدنى أهمية بحجة المعاصرة و عدم صلاحية ذلك الفكر لزماننا هذا، و استحالة الحياة بالماضي في الحاضر و جعله الطريق الأمثل للمستقبل، نرى كيف وقفت الفئة الأولى في الطرف الاقصى من القضية، و الفئة الثانية في الطرف الاقصى المقابل لها، و الصراع المحتدم بينهما إلى حد الصدام كما أسلفت، هذا ما وَلّد فئة ثالثة تحاول الموازنة بين الماضي و الحاضر، بين الأصالة و المعاصرة محاولة التمسك بالحاضر دون التفريط في الماضي، ذلك بأخذ بعض ما يصلح لنا من التراث لزماننا هذا و ينفع مستقبلنا.
القاصة حاولت تكثيف و اختزال صراع هذه الفئات في قالب قصصي قصير جدا، ألبسته حلة أدبية متماسكة النسيج، أنيقة السبك، قليلة السرد، مكثفة إلى ما يقارب الومض القصصي، جسّدت ذلك الصراع في حلبة الزمن خاصة مع ذلك الحاضر، الذي رسم طريق المستقبل بعد أن رقّع خُرقات الماضي التي لا تصلح لبناء المستقبل، إلا أن التاريخ أو الفئة التي ترى قداسة في الماضي، صاحت و هي ترفع فكرها على لسانها، ملوّحة بخرقة للحاضر، قائلة أني سبقتك إلى ذلك المستقبل الذي تنشده، ستجدني كما كنت في الماضي في مستقبلك، بمعنى أخر مستقبلك أيها الحاضر هو ماضيك، هنا تكمن عقدة القصة أو مفارقتها التي كانت قوية إلى أن جعلت خاتمة القصة مدهشة تلك الدهشة التي لم ينتظرها القارئ، ذلك في قول القاصة ( أنا دخلته قبلك ) أي مرّ الماضي بخرقاته إلى المستقبل، بمعنى سابق الحاضر إلى المستقبل فسبقه إليه و استقرّ فيه.
أحسنت القاصة استعمال فعل ( رقّع ) مع كلمة خرقة أو بخرقة بحنكة أدبية راقية، حيث عمّقت المفارقة و زادت من قوتها و أثرها في القصة، الترقيع يكون بعد الخرق، لكن بعد ترقيع الخاضر لخرقات الماضي ليرسم طريقا للمستقبل، تدخّل التاريخ ( الماضي ) ليمزّق من جديد تلك الترقعات و يجعلها خرقا كما كانت في الماضي، و يمررها كما هي لذلك المستقبل المنتظر، هكذا مرّت الرسالة و منها استوحت القاصة عنوان القصة ( تمرير ) و ما تحمله هذه الكلمة من كيفية التمرير.