النص للكاتب أحمد جبر

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

مقدمة
لعل ما يميز القصة القصيرة جدا، كما ارتسمت معالمها راهنا عبر وسائط التواصل، كونها تحدد هدفها بدقة، وتسخر نحوه كل المتاح الفني والتقني والجمالي، وهي بذلك، تستلهم من الرواية، هذا الجنس غير الناجز وغير التام، قدرته على امتصاص الرؤى والخطابات، وتبئيرها بكثافة عالية جدا، بحيث تصبح كل كلمة عالما يحيل على دوائر من المعنى تنداح لتخلق ترابطات مع الخارج النصي وإحالات عليه، إما من باب التناص الموحي، أو الباروديا والساتير الأسود.
صحيح أن المساحة أمام القصة القصيرة جدا أضيق، وإمكانية توظيف الشخوص والأمكنة و الزمان تنحو نحو الأحادية، إلا أنها، أي القصة القصيرة جدا، قد استطاعت أن توجد لنفسها بدائل فنية تستند إليها من أجل إيصال المعنى إلى إدراك المتلقي، عبر مسار يشبه مسار السهم وسرعة اختراقه.
ومن بين هذه البدائل، ما يمكن أن نسميه بالتصادي الفكري، أوالتوالج المفترض بين مبدع يؤسس عالما من المعنى، ومتلق يتقن فن السياحة في هذا العالم، متلق دَرِبٍ يعرف كيف يرتحل بين عالم الواقع وعوالم الإبداع الموازية، طارحا للأسئلة وباحتا في الآن نفسه عن إجاباتها.بين هذا وذاك.
هذه المقدمة وإن كانت طويلة نسبيا، إلا أنها أساسية في محاولة الاقتراب من هذا النص الغني ، بل إنها بالفعل قد عبرت نحو النص وبدأت التجوال في ردهاته كما سنبين أثناء التحليل.

العنوان:
– عوز، والعوز اختلال وحاجة، افتقار وضيق.
ووراء كل عوز حلم ورجاء. فلا أعوز، ولا عوزاء يتمنى بقاء الحال كما هو الحال. بل في كل عوز بحث عن ستر. فبطلة هذه القصة القصيرة جدا، ومن منطق التصادي الذي أشرنا إليه في المقدمة، نتخيلها وقد أثقل الإملاق ممشاها، فتتبادر إلى الذهن صورة الفقيرة الجميلة الحالمة بقصور الأمير، أو صورة بائعة الكبريت في القصة الشهيرة للأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، حين جلست في زاوية بين منزلين، وأخذت تسترق الأنظار من النوافذ، وتنظر إلى الناس الذين يحضرون طعام العيد، في دفء وحبور. بطلة المبدع أحمد جبر، نجدها هي أيضا، بين عالمين: عالمها المعوز، وعالم الاشتهاء المتلألئ الذي تحول بينها وبينه عوائق الأبواب المحروسة بشراسة ( مثلما كانت النوافذ وواجهاتها الزجاجية عائقا بين عالم بائعة الكبريت وعالم اشتهائها المكبوت)، ولكن العائقين في القصتين معا يتم اجتيازهما بواسطة الحلم، مع اختلاف النتيجة: في قصة العوزاء بائعة الكبريت، كان الحلم على ضوء أعواد الثقاب تذكرة نحو السعادة، نحو الالتحاق بالجدة في عالم نوراني ناصع، بينما العوزاء في قصة أحمد جبر كان الحلم( وهنا نسطر تحت كلمة “مخيلتها”، وما تخلقه في ذهن المتلقي من تصاديات فكرية: هل تم دخول القصر المنيع بالفكر أم بالجسد؟ وهل تم الاقتحام فعلا في الواقع؟) تسلق لجدران العالم المشتهى العالية، أعقبه سقوط أشد إيلاما نحو عالمها الواقعي، للدلالة على عدم امكانية تلاق حقيقي بين عالمين أحدهما يزداد منعة ومناعة من أن يلجه المعوزون، وعالم تعوزك فيه الأحلام وتخسف بك عندما تتحول إلى كوابيس تذكرك ببؤسك المنيخ.
إنه توصيف راق من مبدع لمس بحاسة أدبية لا تخيب، تلك الهوة التي ما انفكت تتسع وتنشرخ أكثر بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء. بين عالم النفوذ والسطوة الذي لا يبخل عن الانفاق على تلميع صورته وزخرفة معالم سلطته وتسلطه (جدران وحراسة وأسود…) في حين يغل يديه إلى عنقه إذا ما تعلق الأمر بمدها نحو عالم العوز والحاجة. وعالم أصبح يخاف من أن يسفر الحلم عن واقع أكثر بؤسا، كما أسفر الربيع( ودائما في إطار التصادي الفكري الذي اشرنا إليه) عن مزيد من شد الخناق بمشانق من حرير خادع.
وفعلا كما يقول المثل الدارج: “لا تنظر إلى الأعلى كي لا تقع وتنكسر رقبتك”، فإن بطلة الحكاية وهي تتسلق جدران مخيلتها بجسارة المقتحم، قد أغفلت أنه” ليس دائما ما يلمع ذهب”، وأن الذئاب توجد حيث لا ينتظرها أحد، وأن عالم الغنى والبهر عامر إلا من الأخلاق والقيم النبيلة، وأنه مستعد للتآمر عليك ليسلبك ما بقي من كرامة نفسك وعزتها، لتتكسر نبوءة الملك العجوز التي قدمها لسانتياغو بطل رواية السيميائي لألبرتو مورافيا، ومن خلاله لكل الحالمين. حين قال: “عندما تريد شيئا بإخلاص، فإن العالم كله يتآمر لتحقيق رغبتك” فأكيد أن عالمنا، ومن خلال احباطاتنا المتكررة، وخيبات تطلعاتنا نحو اشراقه وحريته، يتآمر كي لا تتحقق أحلامنا، فنعود إلى سلال بؤسنا علها تحمي عوراتنا ولو كما يحجب الغربال شمس واقعنا المرير.
ألف شكر مبدعنا أحمد جبر على هذا النص المتصادي مع واقع عز فيه الحلم.

أضف تعليقاً