امتلأ الأفق بأدخنة ، وغبار ، وأصوات تتردد في نفسه كثير من الحكايات الطارئة، لعلهم يهربون من ذلك الواقع الذي صار عشا لأصوات البوم المتنافرة، السيد شعيب لم يبالِ بشيء ، خرج كعادته كل يوم في سيارته القديمة التي ما استجابت للحركة إلا بعد أن أدار المفتاح يمنة ويسرة في محاولة غاضبة استثنائية، كانت مؤخرة السيارة مهشمة ربطت بعض جوانبها بأسلاك حديدية صدئة ، صوتها مزعج يصدر كحة وبحة يئن على أثرها باب البيت الحديدي الهش القديم، فشعيب عاش حياته البسيطة بكل أولوياتها بدءا بسيارة البيجو الرصاصية اللون، وباب البيت الحديدي العريض البني اللون القديم توسط جيرانا غيروا أعتابهم وأبوابهم صارت أبواب سحب سهلة مزركشة متينة ..أما باب بيته المرتفع فقد صار استراحة لقطط الشوارع وكلابها تجوب في فناء البيت تسرق بيض الدجاج وتغتال الديكة ، فيحدث عراك عظيم بين اهل البيت بسبب تلك الحادثة التي سرعان ما ينتهي البث فيها مجرد أن يأتي الليل ويستلقي الجميع في سقيفة البيت يتفرجون على المسلسلات القديمة وأغاني زمان وشيئا من نشرات الأخبار التي تبث التثاؤب والنوم والقلق في حشوة رغيفية لايستسيغها إلا من كان فضوليا لعشق وجوه النساء اللواتي يتبادلن على الأخبار كحراس نهر يلقون فيه العرائس لنيل رضا المخولين بالإدارة.
اندفع محرك السيارة في وصلة ساخنة بينما تجهزت أم الهناء ؛ ارتدت فراشيتها البيضاء الباهتة ، مسحت شيئا من مسك وقرنفل على جوانب خديها الممتلئتين، طوت طرفها الأيمن والأيسر تحت إبطيها، ارتدت “سباطها” الوردي اللون ..أثناء الخروج أخذت قفة كانت قد وضعت فيها خبز الفرن وفي يدها الأخرى تحمل قارورة لبن رائب من ضرع معزاتها الغالية .
فتح شعيب الباب الذي أتقن قفله بالسلك المعدني ثم أردفه بقوة بينما اندفعت أم الهناء قليلا مائلة على كرسيه..أسرع إلى جانبها وهي تبدو كأنها متكئة ، فتح ابنه اسماعيل الباب العريض ” الكنشيلو” خرج نصف السيارة بمخاض عسير مؤخرتها ثم اندفعت كلية كجنين اندفع صارخا … إسماعيل يبلغ من العمر عشرين عاما وقف على ضفة الباب المحاذية للمخرج بعد أن تاكد من اختفاء السيارة وسط الطريق الترابي .أخرج هاتفا من جيب قميصه وغاب في حديث هادئ لابدو أنه يحدث أحد اصدقائه بل إحدى بنات الجيران . لم يشعر باليد الغليظة التي هوت على جمجمته ، ثم استولت على الهاتف فاندفع نحو السور ؛ قفز من ركنه المائل ، كان أخوه مسيلمة الذي لقبه والده واسمه سلمان قد اكمل الحديث مع غريمته وهو يتوعد أخاه الأفطس أن يومه أسود عندما يعود إلى البيت وقال رافعا صوته : الليلة مانك خاشة الحوش تو تشوف .. فترققت حبيبته أن أعذره وسامحه عشان خاطري .. تظاهر بالعناد ، كان قد انتصفت الظهيرة ومسيلمة جالسا عند السور يرسم واحات من طيور وقلوب حمراء..امتلأ المكان بعيق سيجارته التي سرقها من صديرية والده المعلقة خلف باب حجرته . لم يكن يشعر أن المكان قد استوى وهدأ وصارت روائح المكرونة تظهر في شكل ضباب وردي يصعد به عتمة الحياة ويصير في أثنائها صاحب الفيراري الذي خطف قلوب الحسناوات وأمنياتهن وحين همس في الهاتف معلنا تمرده وانشقاقه أنه يموت فيها(سالمة سالمة إنموت فيك) كح كح كح كح كح؛ قطعت كحة شعيب حلقات الحب والغرام متناثرا رذاذها على وجهه الممتلئ بشعث لحية غير مهذبة ، لم يستطع شعيب الكلام أخرج لسانه بعد أن احمر وجهه من السعال الحاد، رائحته كخل معتق أمسكه من لجام قميصه المتدلي على كتفيه : تعال هنا يا بلعوط منين خذيت الهاتف ، وليت بالسيارة نحسابه راح مني في العرس ..انفلت مسيلمة متعثرا في الحجر والعلب وحديد سيارة والده الصدئة . أخذ شعيب الهانف وضغط على الرقم الأول ظانا أنه يتحدث إلى أم الهناء: ها .. وين أنتي؟
كحة قوية : كح كح كح كح
رد صوت ناعم : أيوة مسيلمة معاي؟
رد شعيب بصوت مبحوح : أنا والد مسيلمة الكذاب .. تفضلي !
أغلقت الهاتف .. دخل حجرته استلق على السرير ، عاود الاتصال عشر مرات .. نسي أم الهناء في العرس .. نام حتى صباح اليوم الثاني لم يصدر منه سوى كحة متقطعة .

أضف تعليقاً