بدأ الملل يتسرب إلى قلبه منذ مدة، ولكنه يقاوم هذا الإحساس بسهولة، لأن له في هذه القرية البيضاء ما يريد، فهو يسرق ما اشتهته عينه، وغاية عاقبة الأمر أن يدق بابه صاحب الشيء المسروق ليلا، فيرجع إليه حاجته أحيانا كاملة، وأحيانا ناقصة، وأحيانا أخرى يتأسف لأنه قد تصرف فيها، فينصرف صاحب الحق متعجبا من هذه الوقاحة، فيتأكد أنه ضحية، لكن الضحية راضية لأنها تعتقد أنها ليست فريسة احتيال، وإنما هي أمام موقف إنساني محرج.
الليلة جاءه شخص يطلب منه أكياس إسمنت مسروقة، فقال له صادقا ومندهشا:
ـ هذه سابقة في القرية، أنا لم أسرقها..
ـ من سرقها إذن؟
ـ لا أعرف سارقا غيري في القرية، وما ينبغي أن يكون..
ـ من تتوسم فيه أن يقتدي بك في صنعتك؟
ـ لا أرشح أي واحد منهم..
ـ إذن هم ملائكة..
ـ لا.. إنهم أكبر الكذابين على وجه البسيطة، وأنا لم أكذب قط، فأنتم تفتقدون مسروقاتكم، فتأتون إلي، فأسلمها إليكم، أو أخبركم عن مصيرها، دون كذب أو لجاج، أنا لا أدخل منازلكم أو محلاتكم، إنما أسرق ما هو موضوع أمام الأبواب، أو في الحدائق، وبضاعتك كانت في منزلك، وحاشا لله أن أعتدي على حرمة منزلك.. أعتقد أنه لم يبق لي مكوث هنا، صعبة هي المنافسة في المحظور، سيجمع المنافس الجديد بين السرقة والكذب وأشياء أخرى ذميمة، إنها منافسة غير شريفة،وغير متكافئة.. واحسرتاه على الماضي الجميل.
جمع من منزله بسرعة ما يلزمه، وخرج خفية من القرية، كما جاءها أول مرة، ليس له قريب يتأسف عليه، ولا أرض أو ملك يخاف عليه، كيف يأسو على شيء ورزقه في يده، وفي وقاحة وجهه، ورقة كلامه؟ !
في طريقه ليلا، اصطدم بشخص يبدو أنه مثله، تبادل معه الشكوى من الكذابين، ومشيا في الطريق غير المعبدة، فوجدا أمثالهما هاربين من قراهم، فدعاهم إلى مرافقته، فبدأ جمعهم في التكاثر إلى أن وجدوا أنفسهم مجموعة كبيرة، فتوقفوا وتعارفوا، ثم قصدوا منبعا معروفا يلجأ إليه أهل القرى المجاورة نادرا عندما تشح آبارهم وسواقيهم، فتشاور الهاربون في أمرهم، واشتكوا من كثرة وشدة كذب أهل القرى، وقرروا الإقامة حيث وصلوا، وغرزوا في ليلهم لافتة بعنوان: اللصوص الأبرياء.
ونصبوا موحدهم في الظلام شيخا للقرية، لأنه هو النواة. في الصباح استيقظوا على فضاء أزرق، وفصلوا أمر الرزق، وهو أن يسرق بعضهم بعضا، ولكن بلباقة..
- كرة الثلج الزرقاء
- التعليقات