كانت جدتي لا تفك الحرف، إلا إنها تحفظ آلافا من أبيات الشعر، التي تحاكي مكنونات النفس، وحالاتها المختلفة.
وفي أيامها الأخيرة، كانت، فور قدوم الليل، تقفل على نفسها الباب، وفي الحال يرتفع صوتها الأسيان بأعمق ما تختزنه ذاكرتها المذهلة، التي لم يقربها المرض، مما نغَّص علينا أوقات راحتنا، ولم نفلح، مهما حاولنا، بوضع حد لوتيرة خرفها المتزايد، إلى أن طرقنا بابها ذات صباح ولم يجبنا غير السكون.
في مجلس عزائها حضر أناسٌ كثرّ لا نعرفهم، كان من بينهم رجلٌ غاية في الأناقة، عرّف نفسه بأنّه مقدم برنامج إذاعي، اشتهر مؤخرا، وتعاظم متابعوه، وإن المرحومة جدتنا كانت، بفضل اتصالاتها الليلية، السبب في ذلك، فشعرنا باعتداد بالغ، وبقينا لأيام نروي الحكاية لكل من نصادفه مزهوين …
هذا قبل أن يُطرقَ البابُ ذات يومٍ ونتسلم فاتورة الهاتف.
- ما تركتهُ الجدٌة
- التعليقات