عندما دخل السجن للمرة الأخيرة في حياته، لم يكن يفكر في شيء سوى حظـّه المنكود، الذي أتى له بزوجة بلهاء، بليدة. كلّ مرة، تغسل ملابسه دون أن تتفحّص جيوبها.
فعلى تخوم مدينة الحرب التي تنكر ابناءها كما الغرباء، أوقفوه. فمات اختناقا داخل زنزانة محكمة بعد اقل من ربع ساعة. ذات الوقت الذي استغرق تحرير شهادة وفاته.
وهاهو يودع ثلّاجة المشفى ثلاثة أشهر متتالية ليدفن، نهاية المطاف، في قبر مخصوص كتب على شاهده م. ه‍. 6102.
فيما ظلّت هي تجوب الطرقات، تفتش جيوب المدن الواحدة تلو الاخرى بحثا عنه.
في محطـّتها الأخيرة، انتبه مسنّ لأهمّ مايمكن أن تحدثه هكذا حالات. فاصطحبها الى أحـّدهم. هنالك، أبرزت آخر ماتبقـّى منه.
بادرته بصوت يخنقه التوسّل.
: اسمه محمـّد فرحان، عمره ثمان وعشرون سنة، وهذه صورته.
صفن لحظة ثم حكّ مؤخـّرة رأسه وقال.
: نعم… ربـّما، أقول ربّما حملته مع البقية على مركبي هذا.
وتبادل الثلاثة ابتسامة اطمئنان حارّة، هادئة، عريضة.
لقد سمعت طيلة مافات شتّى الاحتمالات، أختها خمّنت أنه ربّما هرب من دائنيه، جارتها كرّرت مقولتها أكثر من مرّة همسا، ربّما يكون قد تزوج إحداهن. لكن كلّ تلك الأقاويل لم تكن كافية لتبعث في قلبها الاطمئنان مثلما فعله هذا المهرّب، فلقد تفهـّمت بطريقة مغايرة تماما، أنّ هنـاك في حياة زوجها، ماهو أهمّ منها ومن البيت…
حتى الزوجة البلهاء، البليدة ادركت… أنّ الحرية اغلى من كلّ شيء.

أضف تعليقاً