كان الصفر يعيش ضمن معادلة بسيطة (أ + ب =0)، وبالرغم من أنه كان يبذل جهده ويقدم تضحيات جمة في سبيل إسعاد الألف والباء لدرجة أنه كان متناسيا نفسه في كل شيء فقط ليقدم لهما كل شيء يستطيعه، إلا أن ذلك لم يشفع له عندهما في شيء، فكانا ناقمين عليه ساخطين مع كل ثانية تمر من حياته دون تفويت فرصة واحدة في تحسيسه بالذنب في أنه لم يكن أي رقم من الأرقام الأخرى عدا الصفر، وإلا لكان قد نال منهما بعض الاحترام على الأقل، ويا حبذا لو كان الرقم تسعة فقد كان حاضرا في كل أحاديثهما بحلو الكلم وعذب الملفظ، بالمقابل كان السخط والتذمر والنقمة من نصيب الصفر مذكرينه بالفارق الكبير بينهما بمناسبة ومن دون مناسبة.
من كثرة ما رأى الصفر من الألف والباء لم يعد قادرا على التحمل أكثر، انطوى على نفسه وغاصت روحه في صمت وسكون رهيبين.
ذات مساء حملته نفسه على السير فسار معها دون أن يشعر من الدنيا شيئا، سار بخطى متثاقلة متعبة مرهقة تعب يترجم تعب ذاكرته وإثقالها، سار وقد انطفأت بداخله شمعة الحياة وكل ما يتعلق بها، وصار وجوده عبارة عن كيان لا أكثر، سار والحزن والألم رفيقاه كما كانا رفيقاه دوما مخلصين له دائما.
مشى يتمتم بكلمات مفهومة أحيانا ومبهمة أحيانا أخرى أقرب ما تكون منه إلى العته والجنون…إن كانت هذه معادلات الحياة فما ذنبي أنا…لقد بذلت جهدي…قدمت كل ما عليه استطعت…لو كان بوسعي تقديم أكثر لفعلت…بائس…نكرة…لا نفع منك…اذهب إلى الجحيم…سحقا، تبا لك ولوجودك…هذا كل ما نلته منهما مقابل كل ما قدمته….
لم يكن الصفر واعيا لنفسه لا لبعد المسافة ولا لكم مشى فالفراغ في قلبه وروحه كان أبعد وأعمق بكثير، تمنى لو أنه كان عددا آخر وتأسف لذلك كثيرا فلا مغير لمجرى القدر وكونه صفرا حقيقة لا مناص منها، وقع أرضا على ركبتيه وضرب بقبضة يده على الأرض، سالت دموعه وسالت وسالت ويا ليتها كانت تطفئ حرقة قلبه وتجمع حطام روحه، تلبد في مكانه مليا ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا به الشفق إنه وقت المغيب…لطالما أحب هذا الوقت من اليوم إلا أنه لا معنى لكل ذلك الآن.
أمضى نصف يومه وهو عالق في دوامة الحياة لم يجد لها مخرجا ونبذ الحياة كما نبذاه ولم يرى في الأفق شيئا سوى أن يضع حدا لحياته لينهي مأساة من اعتبروا وجوده مأساة، لم يفكر طويلا وواصل سيره مقتربا شيئا فشيئا من البحر ودون خوف أو تردد رمى بنفسه.
في صباح اليوم التالي وجدت جثته على الشاطئ ووصل الخبر إلى الألف والباء ما جعلهما يقيمان سريعا احتفالا ضخما بالمناسبة السعيدة ولو بسطت سعادتهما على الأرض لما وسعتها ولا استطاعت وزنها أو تقديرها حق التقدير، ولما أتيا ليهنئا بعضهما البعض بالحدث السعيد وجدا نفسيهما بلا قيمة.
- معادلة الحياة
- التعليقات