هاجمته سهام الهموم من كل جانب..فك قيود طائر خياله وفرّ هاربا..حلّق به في سماء الوطن الملبّدة بالغيوم..هبط على ارض مسرح الواقع..مسرح مترب المقاعد يخلو من المتفرجين..نفضّ التراب العالق بأحد المقاعد ..الستار مفتوح..بيت جدرانه آيلة للسقوط..سقفه من الصاج الصدئ..أثاث رث ..يدخل أبو عبد الله رب الأسرة يستند على عكاز.. تتقدم أم عبدالله بخطوات هادئة تساعده..جلس على أريكة تتوسط ارض المسرح. ابوعبدالله: (بصوت حزين) زاد عبئي عليكم يا أم عبدالله ..نفقات العلاج..صعوبة الحياة في المخيم ..الفقر يأبى فراقنا. أم عبدالله: هي صعبة فقط!..نحن لا نستطيع العيش مثل اقل البشر..الفقر من ناحية..المرض من ناحية أخرى..أنا غير قادرة لإجراء جراحة في قلبي بسبب تكاليفها الكبيرة..ما يأتينا من وكالة الغوث الدولية كل ثلاثة أشهر لا يكفينا لمدة شهر واحد..(تكمل بسخرية) اسمي فرحة ولم تدخل الفرحة قلبي..حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يقف موقف المتفرج علينا. أثناء الحوار يدخل( عبدالله) اصغر أفراد الأسرة تلميذ في المرحلة الابتدائية ..يرمى حقيبة الكتب على الأرض . عبد الله: (في حالة حزن) المدرسة طالبتني بالمصروفات ..هددوني بالطرد إن لم أسددها آخر الأسبوع. أم عبدالله: (رافعة يديها للأعلى) يارب فرّجها ..نحن مظلومين ..ألا يكفى أننا نعيش بعيدا عن وطننا..نعيش في بيت يسبح في مياه المجارى..حتى الحيوانات لا تقبل العيش فيه..نغرق في الشتاء من مياه الأمطار المتسربة من فتحات السقف..صبّرنا يارب(تنزل يديها) تعال يا عبدالله (تربت على كتفه) إن شاء الله ستصبح طبيب ..تعالج الفقراء المحتاجين للعلاج. تدخل في الحوار البنت الكبرى رغد تبلغ من العمر عشرين سنة (تجلس على كرسي أمامها ماكينة خياطة). رغد: ما الأمر يا امى؟ أم عبدالله: يريدون مصروفات المدرسة يا رغد يا بنتي. رغد: (في حالة استياء) حتى المصروفات الرمزية غير قادرين على سدادها..أنا خرجت من المدرسة بسبب المصروفات ..تعلمت الخياطة لأساعد في مصروفات البيت ..علاج والدي غالى الثمن..شهد اختى خرجت من المدرسة بنفس السبب..كانت متفوقة في دراستها.
شهد: فتاة في الثانية عشرة من عمرها (تدخل حزينة) أنا لو لم آت في هذه الدنيا كان أفضل ..الأطفال في العالم كله يلعبون باللعب ..لهم غرف خاصة بهم ..سرر مفروشة ..ملابس فاخرة..مأكولات شهية ..لا اعرف أدبر ثمن الأوراق والألوان للهواية التي أحبها. أم عبدالله: (مطمئنة لأولادها تزين رقبتها قلادة يتدلى منها مفتاح يشبه مفتاح الحياة في الحضارة الفرعونية) هذا المفتاح يا اولادى الأمل الوحيد الذي تبقى لنا في الدنيا..مفتاح دارنا في فلسطين ..لما جاء جدكم المخيم كان معلق في رقبته..من بعده والدكم..لما أصيب والدكم برصاصة في عملية جهادية..حملته في رقبتي إلى أن يكبر عبد الله ..يحرر أرضه ..ارض أجداده..يفتح به دارنا ونعيش فيه..هذا المفتاح وسام على صدر كل فلسطيني. شهد: اخذوا أرضنا بقوة الظلم والطغيان. رغد: سيأتي يوم يتفجر الظلم في وجه العالم ..ستخرج من قلوبنا نار تحرق كل الظالمين . عبد الله: قالوا في المدرسة أننا سنعود لأرضنا خلال شهور. ابوعبدالله: طوال عمرنا نسمع هذا الكلام ..يدّعون أنهم يقوموا بحل قضيتنا ..العدو يتوغل في أرضنا ..يغتصب بيوتنا..نعيش بعيدا عنها لا نملك منها غير المفاتيح. أم عبدالله: لا تصدقوا كلامهم ..قالوا أن القضية ستحل ولم تحل ..لا خير فيهم ولا فى غيرهم الكل يفقد الكرامة..(يلتّف الأبناء حول أمهم وتضع ذراعيها على أكتافهم) إن شاء الله نعود لأرضنا مهما طالت مدة الاستعمار..مادام معنا مفتاح الدار. لا يزال الستار مفتوح ..أصابت قلبه سهام الهم الأكبر..غادر المسرح..امتطى طائر خياله..عاد لهمومه يفتح لها صدره مستقبلا سهامها.
- مفتاح الدار
- التعليقات