انفتحت السّماء على رذاذ أخضر تهاوى يقبّل المدينة وما عليها..
غرق الطّفل في أتربة في ربوة فاغرة فاها تبتلع المطر الأخضر و صمت المكان..
همس وعيناه ترنوان إلى أفق بهيم :”أبتاه..لم دوما أراه..؟ الحلم ذاته يتكرّر كلّ غسق. نبضات مطر و سيول دماء وظلّ فاحم طويل يتكسّر أمامي. تدوس قدماي خصره فكتفيه ثمّ رأسه. ويعتصرني الوجع. تتفتّت عظامه تحت قدميّ ويعفّر وجهه التّراب وتنهمر عيناه شهدا. فأشعر بالغثيان. أودّ لو ترحل عيناي إلى قفاي فلا أرى شظايا الظّلّ الفاحم. أتعثّر في بعض أذيال الوجل فأسقط. أبتسم. خلتُني أحتوي السّواد المتكسّر. تتشظّى الابتسامة. يمّحي السّواد مخلّفا بركا من البياض تحضنني، تعفّرني، وأشرق بمذاق التّراب اللّزج. أسمع وقع خطاي ترحلان إلى قفاي. أراهما تختفيان في آخر منعطف. ألملم شتاتي وأقفوها. لعلَي خلّفت بعضي يتلظّى بذكرى الثّرى الفاحم. يسبق فكري المتخّم بالحيرة خطاي المفلتة منّي.يئنّ الطّريق وتحترق شراييني.أختنق بأدخنة سيول الدّماء المتبخّرة بمجامر آحتراقاتي.أمرَ من حنضل الآنتماء إلى منعطف بلا هويّة..
أبتاه.. الحلم يترصّدني والمدينة تغلق أبوابها دوني ووالدي خلّفته مذ زمن يشحذ سكّينه ينتظر مولودا يقصّ له لسانه أو أنامله ثمّ يرميه في قعر جدار..”
هلّل الصّمت.
انتفض الطّفل ومواءات قطط بعيدة تقرع الذّاكرة وبعض فتات لبّ كانت تقزقزه أمّه يعمّي ملامحه الأولى.
تراخى قليلا..
سكنته حمّى استرفاد زمن بهتت معالمه وترمّد بعضها.
منذ ولادته وهو لا يتوقّف عن الكلام.
ساعة المخاض كانت أمّه واقفة على الشّرفة تقزقز اللّبّ. وكان هو يستغيث والرّحم مضطرب يدفعه إلى الخارج كأنّما يتبرّأ منه. على عتبة الباب كان والده يشحذ سكّينا، ينتظر القربان..
وهو يتقلّب ضجرا في زاوية قصيّة من رحم أمّه سمعه يردّد:” لابدّ من قطع لسانه، ولدا كان ، أو أناملها ،إن كان حظّها أن تفد فتاة..”
صرخ من خلف كيس الرّحم: لم ذا الحكم؟؟؟
_رجالنا لُقمُ التّراب. الصّمت شريعتهم. والنّساء نابشات،موقظات، فلا أنامل .
_لا أريد فراقك.أرجوك يا رحم..
ظلّ يصرخ وهو ينزلق خارج الرّحم .
قدرٌ ساعة الطّلق.
لفحه هواء بارد.
رفع الوالد يده يمسح فتات لبّ تناثر على سكّينه.
دحرجته أمّه بعيدا.. ظلّ يتدحرج فارّا حتّى غاب عن والده.تلقّفته بالوعة قاذورات.
تفحّصته قطط تسكن المكان . هالها هزالُه وعُريُه.آلتفّت حوله تُدفّئه.
قصّ عليها قصّته بين الرّحم والسّكّين.
سلّمته صولجان القيادة.
صار حارسا لأجنّة المدينة.
مُذْ ذاك الحلم نسي الأجنّة.
اعتلى الرّبوة.
بايع الشّيخ.
عانق الغياب..
- مناورة
- التعليقات