للقاص يحيى أوهيبة
رابط القصة على مجلة لملمة من هنا
النص:
ثورة
أزاحوا الدكتاتور بثورة، وبثورة نصّبوا أخاه من الرضاعة.
حين نبحث في “خزائن النفس الأمّارة بالسوء”، نجد انسياقها دائماً يركن إلى “فعل العنف،” من أجل الوصول إلى “اللذّة “وفي بعض الأحيان، تتحوّل (الرأفة إلى عنف دكتاتوريّ) من هذا المنطلق قد يصعب أمر تناول “مصطلح الدكتاتور”، لقد وفّى العرف بنزلته حين هرب بالمصطلح إلى” البوليتيزم” وأصبح من الجور تناوله خارج “مدى التسييس”، وهذا أمر فيه” غلظة”، لأنّ “معنى معناه” قد نجده في عمق الرأفة الحيوانيّة، لكان تتصوّر” قطّة في ديجور عمقها الرحيم تأكل صغارها “، وبدون سابق إنذار، ألا يكون ذلك من “العمل الديكتاتوريّ المجرم”، وقد أدخل الله “سيّدة” من عباده لفح النار “من أجل قطّة” حبستها، ألم تكن قبل الحبس رؤوفة فصارت” ديكتاتوريّة”، هل معنى هذا أنّ الدكتاتور هو الحجر الأصمّ الّذي لا يعترف إلّا بالأصمّ،؟؟ أم أنّ الإنسان الّذي حبّاه المولى تعالى “بأجمل الصفات “ووضع له في المنوال “99 اسماً” ليتحلّى بها، يرميها فجأة ويصير ديكتاتوراً، إنّي أكاد أجزم أنّ هذا المصطلح استهرج عنوان من عمق العنف إن لم أقل هو” ديجور عنيف”.
ولا أخفي قولاً، حين نتكلّم عن “ديكتاتور” يجب أن لا يتناول “عمقه الإنسانيّ” فكأنّنا نحفر عن الذهب في النار، وذلك ما يجعلنا نستلّ باستهزاء معنويّ من كومة المصطلح المتغذّي “بالبوليتيزم.”، هل يمكن أن نتصوّر ديناصورات تتوالد في عصرنا الحاليّ؟، وهل يمكن أن نؤمن أنّه بعد سنوات سنكتشف عائلة ديناصورات المشريّة؟ الّتي ما زالت تقبع تحت الحصى والرمال، وهل كانت هناك قبل التاريخ تتعالى بديكتاتوريّتها في العلوّ والضخامة؟،
إنّ هذه الأشياء إنّما ترمي إلى وجود “مخاطية “خاصّة بالعلوّ المغرض ، لم تأنف العين، وتعجّبت في إحدى المرّات وأنا قارّاً لعملاقة عاشت في الأربعينيّات طولها أكثر من ثلاثة أمتار وتزن أكثر من قنطار، لما تزوّجت قتلت “زوجها من أوّل ضمّة حنان،” اختلطت الدكتاتوريّة بالحنّيّة فصارت بالمزاوجة، (ديكتاتوريّ)، لذلك قد نرى توالد بين الدكتاتوريّات الغريبة المنهج والطرح حسب الاعتقادات الإنسانيّة…
روعة الإزاحة لفصل الجمود. بين العلم واللاعلم.
لقد استحوذ على تفكير ربّما لحظي وأنا أتعمّق في ومضة قصصيّة للأديب الرائع والقاصّ، يحيّ وهيبة هذا نصّها (أزاحوا الدكتاتور بثورة، وبثورة نصّبوا أخاه من الرضاعة.)
لنقرأ عموديّاً “بعض من أجسام التكوين في جسد الومضة”، نجد هناك متتالياً جامدة وأخرى متحرّكة فأمّا الجامدة هي الّتي ننعتها “بالقيم الجامدة” تؤتي أثرها لكنّها لا تتحرّك إلّا بالقوّة الإنسانيّة وهو بذلك في نصّه يحاول إعطاءنا مجازاً لحدوث تواريخ مبيّنة لهذا النوع من أشكال الحكم والسلطة في العالم ، وهو محقّ لأنّه يحقّ له أن يرى ما يريد كمبدع، ولنا نحن أن نبرّر زاوية الموضوع المشاهد من قمّة لفظيّة منسوبة إلى حركة بنيويّة تشمل جسد اللفظة في حدّ ذاتها وهو المهمّ ومعناه إنّ السياق الإنسانيّ كان مستقرّاً، وقيم إيجابيّة محرّكة لآليّة السياق ، ربّما نفسّر” عامل الاستقرار” هنا بشيء نسبيّ لأنّه لا يوجد استقرار بالمطلق، هناك ما يحيق الحركة وحتّى الحرّيّة في الاستقرار ، إذا لا يجب أن نتحدّث عن استقرار بصورة اتّقانيّ مطلقة لأنّه لا وجود باعتبار أنّ المطلبيّة البشريّة في توالد بين اللحظة والأخرى، هذا الاستقرار النسبيّ ، اثبت التاريخ الوصول إليه بفعل الثورة ، والثورة لا تؤدّي أثرها إلّا إذا شابها “التخطيط المنظّم “المستهدف للاستقرار، وقد أثبت الجور التاريخيّ في الكثير من الأمم” انسلال القوّة إلى عنصر جامد” يوحّد القيم المغيّرة في الذات فيحدث ما نسمّيه بوضع اليد على ملك الغير ، هذا التصرّف هو العمل الديكتاتوريّ ، “فالدكتاتوريّة” هي كلّ شكل خاطف غير متخلّق في التسيير ، أو مخالفة “للعرف المقدّس” القائم على الاتّفاق الاجتماعيّ ، من قبل أن يهتدي الإنسان إلى مفهوم الحرّيّة فقد” أوجد الإطار لحماية ذلك الشيء الجميل” (الاستقرار البدنيّ وعدم الخوف).
لهذا أصبحنا اليوم في “النانويّ من التكنولوجيّات المصغّرة ” نقيس “تغيّر الذات “بتغيّر الضغط الدمويّ، فالثورة الّتي رأت استفحال اليد الجامدة الّتي تمتلك الإرادة القهريّة مستفحلة في الاستبداد، ولا مجال للمقارنة بين الاستبداد والديكتاتوريّة لأنّ الاستبداد هو وجه ديكتاتوريّ في الحالات العامّة، لذا قام “القاصّ” هنا بربط آليّة حركيّة أشبه بنصف محرّك السيّارة الإزاحة للدكتاتوريّة ” لا تتمّ إلّا بالثورة ” وهذا منطق جميل لأنّه إذا حدث التوافق في إطار المنظّم يحدث التغيّر إلى أحسن ، لأنّه يباشر “كلّيّة” إلّا إذا حسب مستقبله في ماضيه، عندئذ يكون من الأفيد الإقرار بمقاله” القاصّ” في هذا الشأن…
التقمّص الغريماسيّ للزاويتين القائمتين في القص
وهنا تقمّص “المبدع ” مبدأ غريماً في التناقض الثنائيّ بين ثورة تزيح” قرف سلطويّ” وثورة تنصب “قرفاً على شاكلته”، من البداية يظهر هنا في الأمر “ليس “مردّه إلى تتالي الأحداث في كثير من الأمم الّتي غذّيت ثوراتها من أجل الاستقلال إلى استغلال، ربّما ليس “من حقّنا التأكيد” على عدم وجود هذا التصوّر، بل يوجد ويسجّل في تاريخ الأمم وبكثير من الحيل ، وتأخذني هنا حادثة حصان طروادة… يترك الحصان الخشبيّ وبداخله الهلاك ولمّا يتهالك الليل تخرج التهلكة فتهلك ما تبقي، هذه الدورة المهارتيّة الّتي تدخل في فنون الحرب الّتي ساد حولها اتّفاق أنّها مبهرة ، وماهيّة بذلك لأنّها تشكّل منطلقاً ديكتاتوريّاً للّذي أبدع وانتصر، لهذا أضاف علماء “البوليتيزم” الأقلّيّة الأوليغارشيّة في السلطة الرومانيّة ، لأنّها قلّة تمتلك الضبط والسلطة الرادعة، فلا يمكن حراستها إذا عدمت الأخلاق ، ولمّا كانت الأخلاق في جوّها الديمقراطيّ يمكن أن يستبدل “المتغيّر الاستغلاليّ” بما هو أحسن منه ، والمبدع هنا لم يستثن الخيارات لكونه على علم بأنّ هناك ثورات أعادت تنصيب دكتاتوريّات بألوان أخرى، في الراء المعبّر عنه.
من هذه الزاوية لا يمكن أن نتحدّث عن ثورة أخرى تعيد تنصيب ديكتاتوريّة من “الشاكلة”، والمبدع استعمل أيقونة الرضاعة ليؤكّد التشابه الطبيعيّ وليس السينمائيّ أو الاستصناعيّ….
جدليّة التغيّر بين الرضاعة وسقف التفكير
في الحالة الّتي يحدث فيها “الاستقرار المتّفق عليه”، يحدث إطراء متكاملاً على كلّ ما يمرّ عبر الأخلاق وإن كان خطأ ويتواصل الناس إلى زمن معيّن قدر الله في غيبه، ولكن عند البشريّ تتغيّر المطالب والاحتياجات وتتضاعف وتخرج للعلن ظواهر مشينة يسكت عنها طمعاً في زوالها ذات يوم ولكنّ الأمر يستفحل ويزداد خطورة ، إذا سمح له بالتعاطي، وهذا السماح ليس قصداً وإنّما بغية تركه للزمن حتّى يتحوّل إلى “نمط قاتل” سرعان ما يتناساه، ويعيش ما قدّر له في ظلّ تلك الجماليّات الأخلاقيّة الّتي فرضت “ثورة الإزاحة الأولى “المنظّمة وفق “مخاطية إستراتيجيّة” تأخذ تفاعل المستقبل مع عناصر التغيّر ، المبدع وكأنّه أراد أن يفصح عن شيء له علاقة بالاستقرار مدّة من الزمن إلّا أنّه سرعان ما يتغيّر بوجود مؤثّرات سردابيّة أو حتّى مورفولوجيّة تجعل منه يتأبّط شرّاً بحيث يضلّ أسيراً لسؤال قاموسيّ: كيف لمجتمع واحد أن يقوم بثورتين، أن يزيح جزء من المجتمع الدكتاتور، ثمّ يقوم جزء من نفس الشعب بثورة موازية وينصب مشروع دكتاتور جديد؟؟ إنّ هذا قياس يبقى متخيّلة فرديّاً له محدّداته ومنطلق، يقول أرسطو “أولئك الّذين هم في ثورة الغضب يفقدون كلّ سلطان على أنفسهم.” الإيمان بالنموذج المتهالك يولّد ثورة من الغضب، فتفقد الجهتان كلّ بوادر السيطرة الّتي تكلّمنا عنها سابقاً، ويحدث ذلك التهوّر آثاراً محسومة بفعل الفتنة أو “مغبّة” عدم اتّباع الرأي السديد.
وحقيق أن نشير إنّ هناك من بين الأنظمة في الأمم القديمة من تتوارث ليس في أفكارها بل في “طرق التنفيذ” وهو ما جعله يركّز على أيقونة الرضاعة وكأنّها يؤكّد من ناحية استقرائيّة إنّ التناسل في الأنظمة الديكتاتوريّة أصبح شبيهاً بالكائنات المصابة بالغدوة، وهذا إسقاط لعلا الزخم السياسيّ الّذي يحدث الآن في بقاع العالم جعلته يبدي “رأيه كقّاص”، من متلازمة التوالد ، بينما في ظلّ بلوغ الإنسان سطح التفكير أصبح من غير الواجب التحدّث عن تناسل أو استنساخ لإشكاليّة سياسيّة خاصّة في ظلّ التغيّرات اليوميّة الّتي تحدث على مستوى الجدار الاجتماعيّ والثقافيّ للأمم..
قصّتك أيّها المبدع استجمعت الاستنصار المتناغم المتشاكل ، والعقدة جميلة يظهر خيطها كالداخل في ثقب الإبرة، يعرفه من يشهد إصحاحاً في مقلتيه وقرحتيه.