..تمنيتُ لو استطيع ان اقطع المسافة المتبقية الى البيت بقفزة واحدة، لأرتاح من تعب انتظارٍ رافقَ الشمس منذ طلوعها الى غروبها وعاد بعين مظلمة.! لكن ما باقدام التمني المقعدة يمكن القفز، وليس من غير الخطوات المتعاقبة سبيلا..لهذا رحتُ اعد الخطوات كمن يعد مبلغا من دين عليه، وأسير جاعلا من جسدي حمارا متعبا لا اكف عن وخزه كي لايتوقف قبل ان يصل البيت. الحمل ثقيل، والتعب وصل حد الارهاق، اما الخيبة اليوم فكانت كخيبة مريض أيقن ان لافرصة امامه للعلاج..صحيح، انهم لم يغلقوا باب الامل تماما في وجهي، لكن علقوه على مشجب آخر، وقالوا بنبرة باردة ونظرة مستعلية :
– إذهب، وإذا جددتِ الشركة تعاقدها معك ؛ عد لنجدد لك بطاقة التعاقد الحياتي.!
قلتُ لهم دون ان اجرؤ على اطالة النظر في عيونهم المركزة:
– في الشركة ايضا سيقولون لي: جدد تعاقد الحياة اولا لنجدد معك تعاقد العمل.!
لكن كلامهم اللامبالي اطبق على اذني ككف من صقيع على جمرة وحيدة، ودق مسامير حروفه في طبلتها، فانكتب جملا في قلبي تقول:
– ..وما شأننا نحن.!؟ إنه حظك، حظك المنحوس، ان يتصادف انتهاء صلاحية عقد الحياة مع صلاحية عقد العمل على دربك.! ونحن لادخل لنا في الصدفة، ولايهمنا ان تذهب ضحية صدفة او حظ سيء.! نحن هنا لنطبق القانون. والقانون يلزمنا بان لانجدد تعاقدا حياتيا لأحد إلا بتوفر شروط محددة ، منها عقد العمل.! لهذا لاتضيع وقتنا، فهو أثمن منك.!
وجدتُ نفسي رخيصا كمتسول في ساحة الادارة الامنية، وسط جمهرة من الناس يجددون عقود حياتهم. رخيصا كمحكوم بالاعدام لايتنازل امامه القاضي لينطق حكم الاعدام، بل كل مايفعله هو ان يشير الى حبل المشنقة دون ان يرفع عينه عن ردائه الثمين.! وجرجرتُ جثتي، عائدا الى بيتي، بانتظار ان يسحبوا مني صلاحية الحياة، ويحددوا موعدا لدفني، اعزي نفسي بامل أدرك اكثر من غيري انه وهم.!
فالشركة لن تجدد تعاقدها معي، هي التي تحتاج الى تسريح العمال لاستبدالهم بالآلات الذكية.! وفي مثل هذه المواقف يحتاج المرء المغلوب على امره مثلي الى وساطة، الى شخصية غنية قوية نافذة تمنحه منديلا من ظلها الواسع، وانا نكرة كشبح لايعرفني إلا الاشباح امثالي المهددون بسحب صلاحية الحياة منهم عند أي مخاض من تعاقد جديد.! مرتْ في خيالي صورة زوجتي وهي تلقي علي نظرة كتلك التي على الاولاد فيما هي تقرعهم، وسمعتُ كلامها كأنها تسير بجانبي على الطريق :
– قلتها لكَ مرات..لكن رأسكَ الخاوي عنيد.! قلت لكَ مرات إذا كان خادم الناس سيدها، فخادم الاسياد سلطانها.!
لطالما اقترحتْ علي ان أتقرب من صاحب الشركة ،بأي وسيلة كانت..بل وفكرتْ في وليمة نقيمها على شرفه كل شهر، بعد ان نستلم الراتب .! لكني رفضت..تخاصمنا..فقلتُ لها مرة في ذروة غضبي :
– ..ويكون جسدكِ سَلَطَة على طاولة الوليمة.!
نعم، ماكانت لترفض في الحقيقة، ان تقدم جسدها خدمة ستجعل الخادم سيدا، لكنها مع هذا غضبتْ وقطعتْ عني حبل الكلام والفراش لمدة ليست بالقصيرة.! وها انا الآن على وشك ان يسحبوا مني صلاحية الحياة بعد ان انتهت مدة العقد دون تجديد كما يسحبون رخصة السياقة، فما نفع الأنفة والكرامة.!؟ ألم تقل زوجتي ان الكرامة موضة بالية.!؟ بلاشك، لو كنتُ عملتُ بنصيحتها، لما واجهتُ هذا الوضع، ولتجدد تعاقدي الحياتي والعملي بسلاسة.! لكن ركبتُ عنادي، وها انا ألفظ انفاسي الاخيرة، في مجتمعٍ الحياةُ فيه تستمر بموجب عقد يتجدد كل عِقد من الزمن، وهذا عادي، فنحن وقبل ان ننطلق في اولى خطوات حياتنا كحيوان منوي سبق اخوته الى بويضة طازجة، يكون ابوانا قد وقعا عقدا، وبعد ان نطلق صرخة الميلاد توقع امهاتنا عقدا مع شركة الرضاعة، وعند البلوغ نوقع عقد البلوغ، وبعدها تصبح الحياة عَقدا يتجدد عند كل عِقد.! .هكذا لم يكن امامي من خيار ، انا الذي لايحوز اي ورقة رابحة في يده، سوى انتظار يوم ان يسحبوني من الحياة؛ ومواصلة خطواتي اللاهثة على طريق خال لاتعبره إلا قليل من السيارات عودة الى بيتي على اطراف المدينة، لأنام فقط وأغيب عن هذه الدنيا، وبعدها فليكن ماسيكن.! لكن سيارة كبيرة توقفت امامي فجأة، ونزل منها شرطي اقترب مني سريعا، فيما هو يتفحص هيأتي، ثم قال آمرا :
– بطاقة التعاقد الحياتي..
ناولته البطاقة المنتهية الصلاحية بيد مرتجفة، دون ان انطق حرفا.. تطلع إليها، ثم إلي، وقال ببرود:
– انت ميت.!
– لا لا لاسيدي، لم ينته اجل ت ت تجديدها بعد، لا زززال هناك يوم.!
تمتمتُ بجزع وتضرع، فرد بلامبالاة كلامبالاة انغلاق الباب :
الذي بقي من عمره يوم، إحسبه ميت.! انت ميت.!
– ااانا حي سيدي، لا لازال هناك يوممممم.!
– انت ميت بموجب العقد. كفى.اصعد الى السيارة.!
انفتح باب السبارة الخلفي، أغمضتُ عيني، وصعدتُ الى النعش صاغرا.!

أضف تعليقاً