كنا نمر عليها صباح مساء وهي لاتبرح جِلستها الأزلية كأبي الهول راع الفراغ المسكون بعبق الزمن أمام عشتها المتواضعة تقبع في أرض الأوقاف الخالية.. لم يمسح الزمن عن الخالة (شمة) كل جمالها ولا كل زينتها، غير أن شعرها المُبيضّ المُحَنَّى يفضح حقيقة ما تكنُّ من عمرٍ ..لم تُبْقِ من زينتها إلا خاتما عاجيا بفص أزرق تعتز به،وبذكراه في بنصرها الأيمن .. لم تفتها التنهيدة المعبرة إن نظرته وأحست طوقه.
أمام بيتها تضع طاولة خشبية متهالكة،وفوقها صندوق متوسط الحجم بفتحة حصالة،وكرتونة فيها بضاعتها الزهيدة ( مناديل يد،وأكياس نعناع)،و تضيء المكان بفانوس بترولي معلق على عصا غليظة أشبه بفـرع شجرة من جيلها وعمرها ..
عادة هي لا تتكلم كأنها تخشى على شفتيها المزمومتين من الانفتاح،ولا تمد يدها؛فتحتفظ بهما في كسوتهما السوداء الرقيقة فمن يريد شيئا يأخذه ويضع في حصالتها ما تيسر له..
حقيقة كان أكثر النا س كرماء يعطون ولا يأخذون؛فكلهم يعرفون مدى حاجتها ..وما الحصالة إلا كصندوق نذور على قارعة الطريق.
اليوم لم تظهر كعادتها..توقفنا عند الطاولة ، وغذينا صندوقها بالعفو من مصروفنا كطلاب ..
قلقنا بعد ثالث يوم من عدم ظهورها، ولولا تأخرنا عن حافلة الجامعة لدخلنا كوخها لنطمئن عليها ..
أطالت عطلة نهاية الأسبوع فترة الانقطاع عنها، وربما قدوم البرد واشتداده خفف من حركة الناس خارج بيوتها..
في صباح أول أيام العمل انطلقنا نشيطين مستدفئين بالحركة والصحبة..
لم نكد نقترب من أرض الأوقاف حتى فوجئنا بكلب أسود ضخم يخرج مسرعا من باب العجوز وفي فمه ذراعها المزين بالخاتم الأثير؛ولأول مرة نرى لون جلدها الأبيض ملوثا بدم متجمد..
أصبنا بالشلل ولم نجرؤ على فعل شيء رغم وضوح معالم الجريمة.
فالصندوق غير موجود و الفانوس ملقى على الأرض مطفئا ومحطما..
فاحت من خلال الأرض المفتوحة على الفضاء رائحة عفن يتصاعد وكل شيء ساكن..ميت فلا ضجيج ،ولا أثر لوجود إحساس بما حدث
انتحب أحدنا ورسم على صدره علامة الصليب..
استحضرنا بعضا من ذكرياتنا عن المرأة..ابتسامتها ..صمتها..
شعرنا بالحزن والفراغ وبأن أرض الأوقاف لم تعد إلا مسرحا مقززا.
من هاتفي أبلغت الشرطة والإسعاف وجرينا خلف الكلب نستخلص ذراعا لم تمتد على أحد بالأذى.
- مَحَــارِمٌ
- التعليقات