وقفت في رُكن من الشارع تنتظر زوْجها، مُتلفعة في جلبابها الصُّوفي، مدت بصرها في اطراف المكان، جالت في الطريق ترصد المارة، رأت على بعد امتار منها شابا يسند ظهره إلى جذع شجرة، يُرسل نظراته البائسة، يشعُّ وجهه بشرا ونورا، يبتسم، تلمعُ نواذجه، يُرهف السّمع، بين الفينة والأخرى يهس بكلمات غير مفهومة ويترنمُ، خُيل إليها أنه يُعاكسها..فتنحّت جانبًا إلى أن توارت..ثم نظرت حيث يقف الشاب مرّة أخرَى وبتركيز أكثر، توهّمت أنه لا يزال ينظر إليها ويبتسم، تضايقت..انتهى بها التفكير إلى تغيير المَكان، اقبل زوْجها فلم يحدها في المكان الذي تعوّدا أن يلتقيا فيه، رأته من بعيد، فأقبلت نحوه مُتضمرة، وأخبرته بما جرى لها مع ذلك الشاب، فاندفع نحوه كالديك المُنتفش، وانقضّ عليه، بدا المشهد كأنه تمثيلية سخيفة، أخذ يضربه بقوّة وبدُون شفقة، يستسلم المسكين دُون أن يُبدي أية مُقاومة إلى أن سقط على الأرض فاقدًا وعيه، تدخل التجار وبعض المارة، انتشلوه من بين مخالبه،راح البعض يتساءل: هل في وسع العُيون أن تصمت؟ يقول هذا البَعْض إنّ القلوب تتفطر إثما ولا تغيّر مُنكرًا، وقد جُبلت على ذلك، كان الفتى الضرير يلوك أوْجَاعه، ينطوى على نفسه ويسأل: لماذا يُضرب هكذا بوحشيّة مُفرطة وبدُون سبب؟ لقد أُوشك أن يفقد حياته،.يا للغباء..! لم ينتبه ذلك الصائل الوَضيع واكتفى بالذهُول..! جاءت الشرطة، فالتزم الضرير الصّمت مُتنهدا، أوقفوا الرجل وزوجته، أشهر ذلك الشاب عصاه ألبيضاء، وهو حاسر الرأس، ينضح جبينه عرقا ممزوجا بالدم، ووجهه معفرا بالغبار، كأنه ينبعث من تحت الرماد، يُجْهش بالبكاء، يتساءل في حسْرة وأسى ماذا فعل حتى يُجلد بهذه الطريقة الوحشيّة؟ ولماذا يُهان على مرآى ومسْمع الناس؟ الكلمات توقظ في النفس جُرحا، وإنّ القلوب لتتفطر إثمًا، نحن في مثل هذه المواقف وما أكثرها، نكتفي بنشر أوْجَاعنا ولا نغيِّر مُنكرًا، ولربما نبرر العنف، أو نعالج العنف بالعنف،والعنف هو الابن الاكبر للتخلف. فمن ياترى يضيء دواخلنا؟ ومن يزرع في نفوسنا الرحمة؟ يسأل الضابط ذلك المعتدي ويقول: كيف يتجرأ رجل مثلك ياهذا ويظلم ضريرًا ويهينه..؟ إنها لإحْدى الكبر، كان أولى بك أن تتريث، وأن تلتزم شيئا من الهُدوء، المسكين كان ينتظر من يأخذ بيده، ويُساعده على قطع الطريق، بهت الزوج، ولفهُ صمتٌ قاهرٌ، وتولته الرَجْفة..انطوى يُصارع الدوّار..لقد أصيب المُعتدي بوخزة ضمير، وأسقط في يديْه،.أما زوجته فغمرها الذهول والرُّعب، ولفهاعَمى الألوان، وتكثف الخوف في داخلها، وتعانقت الآهات بل تبخر شعاع البصر، لما رأت الضريرعلى تلك الحالة وهُو يئن، وعلى وجهه الكالح أحزانا..أما عينيه الغائرتين فأخذت ترمي با فرازات بيْضاء مَمزوجة بالدّمع، وهو كالطير الجريح لا يزال يردِّد آهات وجع حزينة، مسكين رمته بحجر طائش فادمت قلبه..كذبت عليه من قبلُ، وهل تكذب عليه مَرْتين..دعكت عينيها باكية نادمة، مطرقة الاعذار..تبكي وتغمم .. وتبين للشرطة بعد التحقيق أنّها عَمْشاء، تشكو ضعْف البصر، وزوجها يعلم بذلك، كانت تخبط خبط عشواء، أما زوجها فهو مُتهور..! أجل وماذا يُنتظر من امْرأة مَهزُومة عمْشاء تريد اثبات وجودها؟ وماذا يينتظر من رجل شرير مُتهور لايحسن غير الإذاية والتهم الجاهزة؟، يكفي أنَّ بياض العصا دليلٌ واضح على العَاهة، وعلامة تميز الضريرعن غيره، أما بعض النساء المَقهورات فهن يبحثن دائما عن سُبل الولاء تزلفا وتقربا من أزواجهن، ليثقوا فيهن أكثر ثقة عمياء ولا يُبالين بالعواقب الوخيمة، وللأسف مجتمعاتنا صارت تنتج التخلف، ومن ثمار العنف بشتى أنواعه وألوانه.
- والعَمْشَاء تتهِمُ الضريرَ
- التعليقات