بدت الجثةُ منتفخة ومهترئة لشاب في العقد الثالث من عمره، وضعتْ بعناية وحرص على طاولة خاصة خلف ستار تحت شجرة الجميز العتيقة ليتم تشريحها..
صمتت الريح في الفروع ،وأخلت الطيور أعشاشها احتراما و مهابة لجلال المشهد..
ثمة جسد بشري يتعاطى الفناء وحيدا؛فكيف لا تسانده أرواحنا ؟ أو تطير شعاعا؟
ولمَ لمْ تأخذه الشمس في حضنها الخفيِّ كواحد من آلهة آبائه القدماء؟
من أنت أيها المهترئ يا كالح الجلد واللون؟
من أين أتيت؟ أهزك الشوق إلى هذه اللحظة؟
لغة التشريح تتعالى وتتصاعد كقرآن يتلى في اللاوعي …
و النهر الذي عهدناه يهب الخصب والنماء منذ آلاف السنين استحال تيارا جارفا يسقي الدم بشكل غامض ومريب…
لو بيدي لاجتهدت في نزع السر المسكون في أعماق النهر أو في أعماق الفتى ..
ألا يمكن أن تنتفض و تنفض عنك بعضا من تعاويذ الرحلة وألغازها؟
بكى البعض لما رأوه يافعا يطْوَى في جعبة الغيم ترانيم الرحلة ..
وردةً تسقى من جمجمة الحقد والغيرة من يد ربما ناعمة ملساء ..
ترى ماذا اغتالوا فيك؟
الزمن البكر ؟ النقاء؟ أم الحلم اليوسفي ؟
أم أنهم أخرسوك عن الحق والحقيقة ووضعوا على رأسك خبزا تأكل الطير منه؟
حين أبلغت شيخ الخفراء طعنني في أعلى فخذي بعصاته الخيزران لأسكت…
عدت فأخبرته وأنا ألتقط أنفاسي لاهثا أن تيار النيل الجارف جاء بجثة رجل عند الجميزة والأسماك تنهشها ..
لوح بعصاته وهشني مغيظا، وقال لي :اخرسْ يا ابن الـ ….
لم أعبأ بعصاته الغليظة ولا صراخه الخشن و قلت باكيا : السمك يأكله !!
أمر ثلاثة من خفرائه بإبعاد الجثة لتذهب مع التيار بعيدا عن حياضنا ، ونستريح.
سرْتُ خلفهم ولم أُشْعِرهم بأن ظلي في إثر ظلالهم المهرولة ..
بفرع شجرة غليظ أبعدوا الجثة العارية تماما إلا من سروال أبيض انحسر على فخذه الأيسر
تحرك معها حبل مربوط حول العنق.. حاولوا وحاولوا مرة.. مرتين.. ثلاثة..
كانت الجثة تخاتلهم تدور وتدور ثم تعود إلى حيث كانت…
أنضج الخوف والجبن فضولا إذ رأيتهم ينزعون من صدورهم رقة القلب ومن تحت جفونهم ماء العين …
هزوا الجذع فتساقط دما وصديدا.. موتا وفناء، و انداحت حوله الأسماك في دوائر..
هل استراح في النوم من قتل؟ وهل اطمأنت الجنوب في المضاجع؟ فلا باكٍ،ولا راثٍ !
مجهولا صرت حتى لو وضعت العمامة..
آه.. تجمد العشق في جلد الموت وأحسبه لن يعود فينا كل شيء يغرق الآن وبأيدينا
اذهب أيها المجهول بعيدا.. إلى مزيد من ترحال التماهي والتآكل…
اذهب وازرع الألغاز والألغام في كل الجسور والصدور..
خلع أحد الرجال ملابسه ودفع الجثة أمامه سابحا إلى ما يقرب من منتصف النهر حيث يستقيم التيار ويندفع قويا في اتجاه الشمال، لم يكد يصل الرجل عائدا ليلبس ملابسه حتى رأينا الجثة تعود إلى حيث كانت…
قالوا في نفس واحد ممطوط: لا إله إلا الله !
باتوا مُسَلِّمِين جميعا أنها: تطلب الدفن هنا…
رجعوا إلى شيخهم وأبرقوا للمركز، وللنائب العام..
انتهى التشريح الطبي،وأرواح عليه تعرج، وتغسل بدموعها أكفانه، كتب الطبيب كلاما كثيرا ثم صرح بالدفن بعد تصوير الوجه من كافة الزوايا، أمر ممثل النيابة بمتابعة البحث الجنائي حيث استبعد التشريح الانتحار سببا للموت، ورجح الجريمة لوجود عدة طعنات في بطنه وظهره..
لا تبارح – أيها المطعون – حتى تترك الرسالة ولو بملء حروفها البارود
استكنّ في خشب الصدقة..في أرض ميعادك، واحذر أن ترفع رأسك الملغومة بالأسرار
إلى مقابر الصدقة توجه به مشيعوه وهم قلة من أصحاب الفضول ،والظنون ،وذوي القلوب الرحيمة …
كانت الشمس تسابق الموكب إلى بيت الظلام ..
– أكان النهر أكثر رأفة من جنازة فارغة؟
لاحظتُ أن امرأةً محجبةً بطرحة سوداء شفافة تتفنن في إخفاء ملامحها..أو أن ينكشف ما في جوفها من العشق المحرم ..تراجعتْ أقداما تتوارى عن الأحياء والمتجمهرين كأنما تخشى على ما يسيل من جوانب ظلها الأسود ..
” هل صدَّقْتَ الآن؟
اذهبْ إلى حيث تستحق ..
من هنا نبدأ..لكن…
لكل كف أصابع ولكل أصابع أظافر..ولم تعد تنفع الكلمات في كتابة عناوين الأخطاء…
تابعتْ موكب الجنازة المتباعد من وراء نظارتها السوداء في صمت وحذر ..
اختفى النعش عند أبعد نقطة من طريق اللاعودة.
أخرجتْ من حقيبة يدها صورة ومزقتها قطعا قطعا.
ركبت سيارتها الفارهة وانطلقت عكس طريق الراحل المجهول فانكشفت أرقام اللوحة الحكومية…
ساقت الريح فتات الصورة الممزقة لتلتصق بفتات دهون لم تزل صامدة وعلى شاطئ النيل شجرة الجميز تقف شاهدة لا تفارقها تراتيل النعيب…
- وَرْدُ النِّيل
- التعليقات