حضّرت “أم العبد” طعام العشاء مثلما اعتادت كلّ يوم، قبيل غزو سحابات الليل لنور النّهار، ووضعته على طبق القشّ الذي تحتفظ به كقطعة خاصة من تجهيزات عرسها، ويحتل مكانته على الطاولة الخشبيّة فوق “الجاعد” في الغرفة التي كانت ديوان أبي العبد سابقا.
دعت ابا العبد لتناول طعام العشاء أكثر من مرّة، لأنّه بات يكثر من التّحديق فيما حوله ، ولا ينتبه لها كثيرا عندما تريد محادثته .
والأنكى من كلّ ذلك أن شهيّته للطعام لم تعد كما في السّابق، حيث أصبح يعاف معظمه، فراحت تبذل جهدا في تنويع الطعام وتشدّد على تحضير أطايب المأكولات.
وتلاحظ في الآونة الأخيرة أنّ زوجها الشيخ قد أخذ يقلّل من الكلام أيضا ، وأحيانا يبدأ بخوض أحاديث دون توقف حتى تطلب منه ذلك . وصوته الذي كان يجلجل هازّا جدران ديوانه قد بدأ يخفت.
جلس الاثنان حول مائدتهما التي امتصّت أخشابها عصارات أحاديثهما، والتي هي أشبه ما تكون بالقرص الالكتروني الحديث، الذي خزن ملفات قرئت صفحاتها السرية والجهرية طيلة عقود عدة، ولكن هيهات استرجاعها!
ما ان بدأ أبو العبد البسملة حتى أتبعها بجملة أثارت دهشة أم العبد ” في العرض وفي الأرض، ضربتين في الرأس بوجعوا يا “أبو السعيد”.
بدأت تتلفّت حولها لتتأكد من خلوّ المكان، وراحت تكثر من قراءة البسملة واضعة يدها فوق رأسه، ظنّا منها أن نوبة السّخونة قد عاودته. لكنها استبعدت ذلك بعد أن أحسّت أنّ حرارته عادية، وبدأت تذكّره أنّ أبا السعيد قد افتقده الله برحمته، وأنّ الخبر قد بلغهم من أحد الاقارب، الذي وصل من لبنان لزيارة فلسطين قبل مدة ليست بقليلة.
هي تفهم المصيبة التي حلّت بأبي السعيد، وبكثيرين بسبب التّهجير وخسارة آلاف الدونمات. ولكن أيّة مصيبة في العرض تلك التي يتحدث عنها زوجها ؟!
توقن أم العبد أنّ عائلة أبي السعيد عائلة ذات سمعة طيّبة، ولا يمكن لإنسان أن يمسّها بالافتراء عليها حتى ولو كان “أبو العبد” : المختار سابقا!
تجاهلت ما تلفّظ به، وعزت ذلك لقلّة نومه ولحالات الشّرود التي تصيبه، فقرّبت الطعام منه والحّت عليه أن يأكل.
التهم لقمتين وحدّق في الطعام، وأعاد جملته على مسامعها، فأيقنت جدّيّة الأمر، وانتفضت لتغلق باب الديوان الذي يُسمع صرير “رزّاته” العالي معلنا لأولادهما أنّ وقت نوم الشيخين قد حان. في هذا اليوم كان الاعلان قبل الوقت المعتاد.
اتّخذت مجلسها مكان مائدة الطعام التي أزاحتها جانبا، وحدّقت في وجه أبي العبد سائلة ايّاه:
هل تقصد أبا السّعيد الشّريف ذا الحسب والنّسب، صديق طفولتك وشبابك يا أبا العبد؟!…
“في العرض وفي الارض – ضربتين في الراس بوجعوا يا أبو السعيد”.
هزّت أم العبد كتفه لتتأكّد من صحوته فاحتجّ صارخا:
لقد آذيت كتفي، اتركيني وأكملي طعامك. فرفضت وأصرّت أن يجيبها وان يخبرها قصّة أبي السعيد.
أمسك سبحته وبدأ يحرّك حباتّها بغضب وبسرعة، وأكمل حديثه :
“اه يا أخي أبو السعيد”. سأجد لك حلّا لمشكلة ابنتك( صبريّة) وأحمي سمعتك وكرامتك ، مع أني كنت أطمع بمصاهرتك وتزويج صبريّة لابني “العبد” بعد بلوغهما.
أحست أم العبد بغصّة في حلقها وكادت تختنق لولا ان تداركت الوضع بجرعة ماء من الجرّة القريبة وصاحت:
صبريّة! … ماذا فعلت لتقول عنها هكذا؟!.
لم يعرها اهتماما وأكمل: صبريّة فتاة القرية الجميلة التي خرجت عصر أحد الايام وغابت شمس ذلك النهار ولم تعد.
خرج رجال القرية يبحثون عنها فأخبرهم أحد الرعاة أنّه رآها تدخل المغارة القريبة من عين الماء وكانت تمشي على غير هدى ، وشاع انّ الضّبع قد أستجرّها الى المغارة، فقرّر الشّبان دخول المغارة الّا انّ خالتها تحدّتهم جميعا وقالت:
أنا سوف أدخل وأقتل الضّبع. وطلبت منهم الابتعاد قليلا أو الرّجوع للقرية. لأن الأمر يتطلّب بعض الوقت للاحتيال على الضّبع!
دخلت المغارة وبعد فترة قصيرة خرجت صبريّة والدّم يلطّخ ملابسها بعد أن جرحت للتخلّص من تأثير الضّبع المخدّر لحواسّها وتعود الى صحوتها، ولا تعيش طيلة عمرها مضبوعة! وشهدت القرية للخالة بشجاعتها وجرأتها.
بدأ صوت أبي العبد يعلو، وكذلك صدره أخذ يعلو وينخفض صائحا: “هيك عملتِ يا صبريّة!
صبريّة التي خدعها أحد شبّان القرية وراودها عن نفسها حتّى أوقعها، وصارت تقلّل من الذّهاب مع البنات الى العين، حتى أجبرتها أمّها على الاعتراف لها بحالها بعد ان لاحظت استدارة بطنها وانتفاخها، فجنّ جنونها، لأنها سوف تُطلّق، وابنتها سوف تُذبح اذا ما اكتشف أبوها امرها، وهرعت تستدعي اختها طالبة مشورتها بالحلّ الساتر!
يومها جاءتني أختها طارقة باب مضافتي بعد خلوّها من مرتاديها ، ووقفت في الباب مستنجدة: “طَنيبة عليك يا مختار” .
طلبت منها ان تدخل وتستريح وتفرغ جعبة غضبها وقلقها.
جلست تحدثني وتستحلفني بالله الّا ابوح بالسّر – وكيف أبوح بسرّ أبي السعيد؟! -وطلبت مني أن أجبر الشاب على الزواج من صبريّة وأن أسكنهما في مكان بعيد، في أحدى مزارعي بحجّة أنّهما يعملان في فلاحة الأرض.
خلال جلساتي وأبي السّعيد لاقناعه بتزويج ابنته، وردت أخبار أنّ عساكر “الهجانا” يهاجمون القرى، وأنّ هناك مواجهات مع الثّوار، فاجّلنا امر صبريّة” . حان وقت ولادتها ولما أجاءها المخاض، أرسلتها خالتها التي كانت تراقبها وتأمرها بربط زنّار على بطنها، ولبس الملابس الفضفاضة، إلى مغارة الضّبع وأخبرتها أنّها ستلحق بها لتساعدها.. ذهبت صبريّة إلى المغارة قبل ان تحتل جحافل الليل مروج القرية وتبعتها الخالة، التي ابلغت القوم أنّها ستخلّص صبريّة من الضّبع.
وضعت مولودها والخالة تدعو أن يموت الاثنان، لتعلن للملأ أنّ الضّبع كان الأقوى، ولكن هيهات !
ها هو المولود يصرخ معلنا مجيئه للحياة، فتطلب من صبريّة أن تخرج بعد أن صبغت جزءا من ثوبها بدمها، مقنعة إيّاها أنّ عارها، هكذا يمحى.
ازداد عويل الوليد بعد خروج امّه، والخالة تذرع المغارة جيئة وذهابا ثم انكبّت على الارض تحفرها بأظفارها، وكأنّ أحدا يسابقها، وتوقف حفرها لتضع يدها على فم المولود لتسكت بكاءه ثم تضعه داخل الحفرة جانب المغارة، وتنفض التّراب عن ملابسها قائلة:
تخلصنا من عارك يا صبريّة! وسيجبر المختار من دنّس شرفك ان يتزوجك بعد تحقيق الانتصار على العساكر.
وعادت إليّ الخالة طالبة مني التّعجيل في الأمر بعد أن دفنت في صدري سرّ ما فعلت!
وتصيح به أم العبد يا ويلتاه!
ماذا أصابك يا”أبو العبد”. أنت لم تغتب أحدا في حياتك ولم تسئ إلى أحد، فكيف تسيء الآن الى سمعة صاحبنا- رحمه الله- وسمعة ابنته؟!
لكنّ أذنيّ أبي العبد لا تريدان أن تسمعا. ويواصل تحديق عينيه وتحريك شفتيه ” في العرض وفي الأرض – ضربتين بالراس بوجعوا يا “ابو السعيد”.
وبعد أن أقنعتُ أبا السعيد بتزويج صبريّة، وأثناء التّحضيرات لعقد قران الشّاب الذي هدّدته بالقتل – اذا لم يتزوجها- هجم اليهود على القرية وأخرجنا تحت قصف المدافع!
ابعثي بأحد لاستدعاء أبي السّعيد إلى المضافة، فانّي لم أره منذ مدّة.
أريد ان اخطط وايّاه ماذا سنفعل اذا ما هاجمنا اليهود مثلما هاجموا غيرنا .
سكت قليلا وقال: هيّا بنا نذهب إلى بيتنا . ما الذي جاء بي إلى هنا ؟
عند ذلك فقط تأكدت “أم العبد” أنّ شريك حياتها ليس بخير، فهرعت تستنجد بأولادها لاحضار الطبيب مولولة:
يا لمصيبتنا! ما الذي أصاب المختار أبو العبد؟!
يومها قرّر الطّبيب أنّ ابا العبد بدأ يفقد تدريجيا زمام السّيطرة على عقال ذاكرته .
وصاحت أم العبد :
الضربتان الموجعتان الآن هما في رأسي ورأسك يا أبا العبد !.

أضف تعليقاً