قبل لحظات..
كل شيء تم قبل لحظات، حتى آخر فكرة دارت في رأسها واستقرت..
“العيد على الأبواب، ووعد أمي غير موثق به”
العينان ثابتتان في ذهول، في بريقهما المعتاد، سوى الرموش الكثيفة لوّنها الغبار بالرماد، ومعالم الوجه لا توحي بابتسامة نقية طاهرة تقفز عليه كفرحة طفلة كالمعتاد. الفم فاغرا والأسنان البيضاء ناصعة رغم ظلام الجوف، وشعرها الكستنائي مذعورا أشعثا يقف مستسلما في دائرة حول جمجمتها التي سال دمها حتى الأذن. والذراعان متشبثان بدمية.
مازال الغبار تائها متكورا في الأفق بعد الانفجار، ينفخ ضيقه وتذمره، لم يحط سوى على بعض الجثث والركام.
قبل دقائق تحدثت مع والدها الذي اغتيل قبل ولادتها بأيام، شكت له أمها التي تغيب كل يوم عن البيت من الصباح حتى الليل بحجة العمل “تبا للوطن، وتبا للعمل” والأطفال في الحارة يتركون اللعب ويذهبون لأمهاتهم لاطعامهم وتنظيفهم من تراب الشارع، والليل عنيدا مرات يتأخر وهي تمكث على الرصيف حتى يغلبها النعاس على درج البيت محتضنة دميتها.
ـ أبى متى تعود؟
عيناها تجوب صور الجدران، تراه يضحك وهي يتملكها الضيق والضجر، ومع رفاقه الجنود في لباسهم العسكري يبتسمون جميعا في وجهها. تراهم يسخرون.
ـ أمي لم تأت بالحذاء التي وعدتني به.. أبي أمي تكرهني.. وأنت بت لا تسمع.
ينظر لها في حنين من خلال الإطار، تنظر لأمها في عمق وتبحر وهي تطيح حانقة بأكوام الأسئلة في كل الأركان، فقط تريد أن تفسر سر الدمعتين الملتصقتين بحدقتيها وهي تائهة في نظرات الإطار.. سوى غمغمات يشكلها ويقطعها إلى حروف نحيب الليل، وكلمات تشعل التساؤلات وتيقظها حيّة في الرأس، عن قبلة على الجبين قبل الوداع، وقبلة أخرى على جبينها من خلال بطن أمها.
توسلت إليه ذات ليل “إما أن تعود أو تأخذني حيث أنت”
لم تفصح عن أمنيتها الوحيدة، شراء حذاء لدميتها التي أبت أن تفارقها حتى عندما اغتالها الغدر فجأة.
غدر بأبيها؛ ففقدته، عملت أمها؛ فغابت، كانت هي الوحيدة التي تجرعت آلام البطش على أيادي الأعداء مرتين.

أضف تعليقاً