حراس الحدود على تخوم القرية، يتلاعبون بهوائياتهم الطويلة لاستشعار خطر تحمل روائحه نسيمات الليل، يفتحون عيونهم الزجاجية الكبيرة، يرصدون حركة غير عادية على ضفاف النهر: روائح غريبة تتسرب من بين سويقات سمار يحفه ضباب كثيف، فيه شيء من عفونة الرطوبة، يحجب وجه القمر فتبهت ذهيباته. تكاد تتلاشى، وتنعكس على صفحته بدون خيالات ولا ظلال: تنزل وخز إبر وسكاكين على أنوف ألفت نسيما خالصا بلا شوائب. تكبر الصورة وتتضح: أشباح جحافل نمل ناري مرعب أحمر تزرع فكوكه القوية الموت الأحمر. ماغول العصر. هوائيات الاستشعار تنذر بهذا الخطر القادم تحت ضباب النهر.
جيوش جرارة، تتكدس بالمئات فوق وريقات توت صفراء كبيرة. تعبر النهر من الضفة إلى الضفة. تتهادى فوق صفحة الماء كسفينة نوح، تشد الرحال إلى قرية نمل أسود مسلوب الإرادة. مغلوب على أمره. مجنون بعشق النوم، يسكر حتى الثمالة. يأكل حتى التخمة، فتنغلق منه كل مسام التفكير، عبيد يتدبرون كل أمور القرية:
ينقلون حبيبات الحنطة عبر الفيافي والأحراش، يربون اليرقات، ويذودون عن حياض القرية.
ملكة كسولة مفتونة بالبذخ والترف، وحاشية كما لو تعيش في فنادق مصنفة، منعدمة الشعور بالمسؤولية، لا تكترث بأمور القرية.
يلملم الحراس أنفسهم. ويسابقون الريح، يجرون وراءهم حبيبات عنب سوداء كبيرة مكتنزة، تشدهم للأرض شدا، وتمنعهم من سرعة الحركة. ببطء ينشرون خبر هجوم النمل الأحمر على القرية.
الملكة تداعب كرشها المدحوة كحبة بطيخ تكاد تنفجر. بلا رؤية. بلا روية. بلا تبصر تحكم القرية. دوما بشراهة تنشغل بافتراس حبيبات الحنطة.
على مسمعها ينزل خبر اكتساح القرية باردا كقطعة ثلج: لم تكن تود أن يعيد التاريخ حروب طروادة. حروب داحس والغبراء. . تفرك فكيها الكبيرين الواهنين، وتعلن حالة استنفار قصوى. تأمر باجتماع طارئ. تتحلق حولها كل أطياف نمل القرية. تعض ندما على الأصابع، لتصفيتها مقاتلين أشداء ذات خلاف على المساكن. أو مؤامرة قلبها على القفا، فتكابر. وتكابر وبخطى واهنة، تعتلي منصة الخطابة. ترغي. تزبد.تلغو. تلغط. تثرثر:
_ رعايانا في كل ربوع قريتنا السعيدة، تعرفون أن عداءنا للنمل الأحمر عداء تاريخي، ويعود لعشرات القرون. ها هو إليكم قادم بجيوشه الجرارة، على صهوة عشرات وريقات التوت، تدفعها التيارات الباردة نحو قريتكم. تخترق النهر من شماله إلى جنوبه.
لا تعيروهم اهتماما، فعين النملة الأم العظيمة، منذ غابر الأزمان ساهرة عليكم. ذات زمن مضى، حالت بين أجدادكم وبين حوافر وأظلاف مطايا الجند وأحذيتهم الثقيلة. فجنبتهم الموت دوسا وسحقا.
يشك الرعايا في جدوى حكاية الملكة، فالنمل الأحمر الغازي على وشك اقتحام أبواب القرية، فتتمسح بها نملة من حاشيتها وتلتمس منها توضيحا:
_ هلا محوت الغشاوة عن عيوننا أكثر، يا أمنا السلطانة رعاك الله؟
_رعايانا الأوفياء، كانت جيوش سليمان على وشك أن تدوس وادي النمل، لكن أمنا الكبرى حذرتهم قائلة:
_يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون.
_ وها أنتم الآن _ معشر النمل _ في مساكنكم آمنين وجيش النمل الأحمر ليس أصلب عودا، وأقوى عمودا من جيش سليمان.
فأمنا النملة العظيمة كانت تحب الخير. تحمل _ كل يوم _ حبة حنطة وتغوص في البحر، وهي في فم ضفدعة. تطعم دودة عمياء تسكن ثقبا في صخرة. والصخرة في أبعد مجاهل البحر. فلا تخيفكم
جيوش قادمة من وراء الضباب. وروح أمنا النملة العظيمة تحرسنا.
تنهمك في تنقية ما علق بفكيها من فتات الطعام. تتلمس كرشها المنتفخة حد الانفجار، وتتقاعس عن مد رعاياها بالنصيحة.
تصيح النملة المسئولة عن تدبير أمور الحروب في القرية:
_ يا ملكتنا إنهم يختلفون عبر الزمن في جنسها، أكانت ذكرا أم أنثى؟
تجيبها وزيرة الدفاع في القرية:
_ يا غبية، إنهم يكادون يجمعون على أنها كانت نملة أنثى، حكيمة عرجاء، تفوقت على سليمان في الحكمة عندما سجنها في قارورة؟
ينقسم مجلس تدبير الحرب على نفسه، ويصل الاختلاف ذروته:
تتدخل الملكة لحسم الصراع، ونزع فتيل التفرقة بين رعاياها قائلة:
_ رعايانا الأوفياء. سنحتكم لكتبنا الصفراء، وسأطالب بانعقاد مجلس لعلماء القرية السعيدة، للبت في مكان وجنس هذه النملة، فما رأيكم؟
يعم المجلس هرج ومرج ويستحسنون اقتراح الملكة، يحضر العلماء، وهم يتأبطون كتب تاريخ صفراء.
ليدلي كل بدلوه للبحث في الاختلاف.
فهناك من قال:
_ فأما المكان، فهو واد بأرض الشام.
و هناك من قال:
_ فهو واد بأرض الطائف. وادي السدير.
و هناك من قال:
_ فهو واد بأرض اليمن.
يتعمق الاختلاف أكثر بين العلماء في تحديد مكان الواقعة، تتدخل الملكة لإذابة جبل الجليد بينهم قائلة:
_ وماذا عن جنس هذا الكائن التاريخي الذي قهر أعثى الملوك بذكائه وحكمته، ومنه نستمد القوة وكل أسباب الوجود، ونحتمي ببركات روحه؟
يتحول النقاش إلى شجار وعراك بالألسنة والأيدي.
فهناك من قال:
_ هي أنثى نملة عرجاء، وسميت كذلك، لتنملها وكثرة حركتها ولها أسماء، فهي طاخية وهي حرميا والله أعلم.
وهناك من قال:
_ هي نملة. لها جناحان، فصارت من الطير. تغلبت حكمتها على حكمة ملك الجن والطير والحيوان، وبقية القصة تعرفونها فأنتم علماء الأمة في قريتنا السعيدة يا سادة.
ويستمر الاختلاف بين علماء القرية في تحديد الجنس والمكان ويتشعب إلى تحديد هيئة النملة الأم.
فهناك من قال:
_كانت على هيئة الذئاب.
و هناك من قال:
_كانت على هيئة النعاج.
و هناك من قال:
_ كانت على هيئة كذا. وكذا. وكذا.
وعلى أبواب القرية، كان النمل الأحمر منهمكا في رص الصفوف وقرع الدفوف، وإعداد العدة، وشحذ الفكوك، ونشر الحماس بين عساكر على أهبة الاستعداد لاقتحام حصون القرية، بدون حصان طروادة.
يعطي القائد الأحمر أوامره بالهجوم، للجيش الأحمر، فترتفع المؤخرات الحمراء إلى السماء، وتهيج غريزة العدوانية، وتتفجر في النفوس الرغبة في القتل والتدمير.
يقتحم الجنود القرية من كل المنافذ، فيعيثون في الرؤوس جزا وتقطيعا، فتذروها رياح موت، يمشي مختالا فوق جثث بلا رؤوس، ويدوس رؤوسا بلا جثث. واليرقات تختنق في أغشيتها.
تسلم الملكة مفاتيح القرية وتدخل خانة العبيد من أوسع أبوابها، تنتظر دورها في سوق نخاسة القرن. وتسقط قرية النمل الأسود الذي خذلته بركات روح الأم العظيمة.
تضمد الجروح. تمسح الدموع. تغتسل القرية بماء العار المالح. يعود كبار العلماء لنقاش قصة النملة الكبرى مع سيدنا سليمان. ويستمر الاختلاف. ويستمر. وتكبر جبال الجليد.وتكبر. وتكبر
- حروب النمل
- التعليقات