مع شروقِ الشَّمسِ تخرجُ على عادتها، تجوبُ الشَّوارع، تتلفّتُ كأنّ فوقَ رأسِها الطَّير، الحذرُ يرافقُها خوفاً من المجهول، شبحُ ذلك الوحشِ الرَّهيبِ يطوفُ في المدينة، يخطِفُ بطونَ الجيَّاع، يعصرُها حدُّ التَّلوي والاكتواء، ربّما تدوسُ فوقََ شظايا الزُّجاجِ المتناثرةِ قرْبَ حاوياتِ النِّفايات؛ أو تجرحُ يديها عند البحثِ عمَّا يصلحُ أنْ يكونَ طعامَ لإيتامها الأربعة.
هذا ما تعرّضتْ له في الأيَّامِ الماضيةِ رغمَ الحذرِ والحيطة، فهي في سباقٍ مع القططِ والكلابِ السائبةِ، من يسبقُ الآخرَ ليفوزَ بلقمةِ تصاحبُها الأوساخ.
تنفضُ التُّرابَ عنها وكأنَّها جوهرةٌ ثمينةٌ رماها بيتُ منْ لا عهدَ له بالجوعِ والتَّشرِّد، تضعُ لهم الخوان؛ يلتفّونَ حولَه بلهفةٍ تمتدُّ أيديهم لتلتهمَ بسرعةٍ ما جنتْهُ في رحلتِها النَّهاريّة، ينامون والجوعُ لا يزال طعمُه في أفواهِهم ليحلموا بمستقبلٍ ألوانُه معتِمة، غطّتْ هي في سُباتٍ عميقٍ، أنبثقّ ضوءٌ على أثرِهِ سمعتِ البابَ يطرق، أسرعتْ إليه، خلفَه يقفُ رجلٌ اخترقَ حجبَ التَّأريخ، يحملُ من الغذاءِ ما جعلها ترسمُ البسمةَ على وجهِها، أخذ الرَّجلُ يسطرُ الأواني ويضعُ عليها أنواعَ الطَّعامِ والشَّرابِ، أسرعتْ إلى أطفالها توقِظُهم أجلستْهم أمامَ المائدة، أخذوا يلتهمونَ بِشَرهٍ من جميعِ الأنواع، يبتسمُ الرَّجلُ وهو يقفُ فوقَ رؤوسِهم ناظراً إليهم بفرح، امتلأتْ بطونُهم حتَّى فاضَ الطَّعامُ والشَّرابُ من أفواهِهم، أخذ يغسلُ أيديَهم ووجوهَهم، أجلسهمْ على فخذيه يمسّدُ على رؤوسِهم.
– هل شبعتم؟.
ضحكوا كأنّهم ملائكةٌ في زمنِ العولمة..
ــ معذرة سيدي نسيتُ أن أسألَكَ منْ تكون.. ومنِ الَّذي أخبرَكَ بحالي وحالِ أطفالي؟.
أشارَ إليها إنَّ الأطفالَ بدأوا ينامون، حنانُه وعطفُه أثارا استغرابَها وفضولَها، أصرّتْ أن يُعرِّفها بنفسه.
ــ أنا منْ يُطعمُ الطَّعام على حبِّهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً.
ــ سيدي الكريم أهلاً بمقدمك.
نهضتْ بسرعةٍ من مكانِها، اعتصرَها الألم.. كانتْ تريدُ تقبيلَ ردائِه وشُكرِه على زيارتِه، عادتْ إلى فراشِها وهي تعيشُ لذةَ الحلمِ السَّعيدِ الَّذي تمنَّتْ أنْ يكونَ حقيقة.
في الصَّباحِ تعالتْ أصواتُ الضَّجيجِ والعويل، تذكرتْ عمودَ خيمتِها الَّذي قضى نحبُه في انفجارِ سيَّارةٍ مفخّخة, توقّفتْ في مكانِ تواجدِ عمّالِ البناء.
ذلك المنزلُ خرجتْ منه بلا عودةٍ لعدمِ قدرتِها على دفعِ مبلغِ الإيجار، أصواتُ الصَّفائحِ المعدنيّةِ كانت تنهارُ واحدةً تِلوَ الأخرى، صياحُ جارتِها صكَّ أُذنيْها وهي تحثُّها على الإسراعِ بالخروجِ من دَّارِ الصَّفائحِ كي لا ينهارُ فوقَ رؤوسِهم.
أنقذَهمُ القدرُ من الموتِ، أصبحوا خارجَ الأكوام, تلكَ الجرّاراتُ الهادمةُ يقودُها جمادٌ بلا أرواح.
جرّتْ ذيولَ الخيباتِ خلفَها مع صغارِها، فارقتِ المأوى الحاسر، جلستْ في خربةٍ تبكي حرقةَ الضَّياعِ في زمنٍ تمنَّتْ فيه كنف علي، أو حتَّى حلم فيه أبو الأيتام،
وظلّتْ تنتظرُ عطفَ الأحياءِ الأمواتِ.

أضف تعليقاً