سرب مروحيات يحط متلاحقا على سفح الجبل ، غبار شديد يتطاير في عنان السماء ويحجب الرؤية فيتبدد تدريجيا ثم تصفو الأجواء.
منذ أيام والقائد و الشيخ والأعوان على قدم وساق يشرفون ليل نهار على الجبل وقد كشطت منه الأعشاب ونباتات الدوم والسدر والشيح ، وأقيمت في حواشيه الأعلام واللافتات الترحيبة ونصبت الخيام والسراديق هنا وهناك ، وحجت فرق شعبية بغاية تقديم أنواعا مختلفة من الفلكلور : رقصات أحواش والكدرة وأحيدوس واللهيت ودقة المراكشية وطقطوقة الجبلية وامتزجت أصوات المزامير وهي تتصادى مع أسراب ” التبوردة ” والفرسان يتبارون في تقديم فرجة شبيهة بفرجة ” المواسم ” التي تقام بعد الجني والحصاد .
زخر الحفل بالزوار الذين حلوا من دواوير ومداشر قريبة ونائية والغبطة تغمر المكان وتسربله بأنداء الفرح .
راجت شائعات بأن خيرات الجبل العميمة ستعود بالفضل على الجميع ، هناك من راهن على الذهب والفضة والماس وهناك آخر راهن على النفط والغاز أما الثالث فأكد على اكتشاف مياه معدنية شافية ومعالجة لشتى الأمراض والأوبئة.
الأعوان يحثون الحضور على حسن استقال زائر هام ممثل الشركة التي ستشرف على تدشين مشروع الجبل .
تنهد شيخ معمر وهو يدب على عكازته :
ـ الكنز في بطن جبل أطلسنا منذ زمان ونحن لا ندري ياخسارتك ياعمري !
يترجل من الطائرات وفود بياقات وربطات عنق أنيقة ، يتبادلون التحيات والمجاملات ثم يتراصون منتظرين .
ساكنة الجبل تترقب وتتشوف القادم إلى قريتهم المعزولة والمحرومة من الضروريات فلا مدرسة أو مشفى أو مرافق ضرورية .
نصبت ركائز الخيام وبسطت البسط والزرابي ، تعالى دخان الشواء وفرش سماط طويل بتمر وحليب وحلوى كعب غزال وطيبات الأكل والشرب على شرف الضيف الرفيع المقام والذي يشرف القرية لجبلية وقد أتى من بلاد برانية .
أجلت السلطات مظاهر الفاقة والبؤس ورهطا من الممسوسين والبهاليل وهجرتهم قصرا إلى منافي قصية ، عمد القائد مع مساعديه من شيوخ ومقدمين وأعوان على إعطاء الأمر بصباغة الحمير والبغال وبطلاء البيوت بالأبيض ورفع الأعلام في كل الشعاب .
كان سكان القرية في بهرة من هذه الحشرات الحديدية العملاقة والتي تطير في السماء مترنحة تشبه لحد كبيرحشرة فرس النبي بلونها الأخضر لكنها من حديد وزجاج وهدير كثيرالصداع مثير للغبار، لم يسبق لهم أن رأوا طائرة تحوم وتطير مثل الطيور .
الفرسان على ظهور خيولهم المطهمة يتبارون في لعبة الفانطازيا وقد أخذتهم الحماسة مأخذا قويا واندمجوا في تقديم فرجة للجمهور الحاضر بتنافس متواتر .
على حين غرة سمع هدير مدوي وطائرة صغيرة بلون أحمر وأسود كدعسوقة الخمائل أو لعبة يعبث بها طفل لاه ، نزل رجل قصير يتزيى بلباس غريب .
قالت عائشة قابلة نساء القرية معلقة والتي لم تسطع كبس ضحكة تمرجلت في صدرها :
ـ أولي على نص رجل ديرلو هاد الهندقة والحلقة بالطبل والغيطة !
أعوان القائد وزمرة من الدرك يسعون لضبط الصفوف والمحافظة على بروتوكول النظام .
تقدمت الشخصيات الرسمية ونخبة من الأعيان على تحية الشخصية المحتفى بها والمقبلة على تدشين وإعطاء انطلاقة العمل للبدء في المشروع .
تصدرالجمع الغفير مستمعا للكلمات الترحيبية التي تعقبها عاصفة من التصفيقات وزغارد تتعالى .
قال مسؤول مرافق للضيف المميز:
ـ مرحبا بكم أيها الصديق الكريم مسيو دافيد وبمساعي بلدكم وشركتكم العابرة للقارات، نحن سنوفر لكم الإمكانيات التي تخدم مصالحكم وتيسر لكم كل ما تجدونه صعبا.
قال كبير أعيان القبيلة :
ـ حللت أهلا ووطئتم سهلا ، أرضنا أرضكم ونحن خدامكم .
قال نائب القبيلة في قبة البرلمان :
ـ لقد وصلنا إلى نتائج مرضية للطرفين بين وفدنا ووفدكم ، فكل الإمتيازات الإستثنائية تحضى بها شركتكم ، فمرحبا بكم وعلاقتنا بكم وببلادكم ممتدة عبر الزمن ، ونحن في هذه اللحظة التاريخية نربط حلقات الماضي المجيد بآمال مستقبل عريض .
سادت هنيهة صمت ، ترقب الجمع أن يلقي الضيف الكبير كلمة بالمناسبة ، دنا من مكرفون المنصة الذي عدل حتى يصبح في مستوى قامته القصيرة ، وما فتيء أن أخرج كيسا أسود اللون ونفضه نفضا أمام الملأ ليظهر للمتتبعين بأنه فارغ تماما ، أدخل يده في جوف الكيس مسرحا قبضة كفه بحصيات صغيرة ودقيقة سرعان ماتحركت واستوت حمائم تتماوج وتطير في العلياء، وأعاد الكرة مدخلا يده وأخرج حصيات إذ بها تتحول إلى طيور جارحة تتعقب سرب الحمام وتلتقطه بمخالبها الحادة وتهصر عظامها الفتية هصرا وتزدردها بنهم .
الدهشة تخلب الأبصار والجمع يهلل ويعجب لتصرف الرجل الرفيع القدر والذي تجلى ساحرا حقيقيا ، تنشد إليه الأنظار بدهشة وانبهار .
أدخل يده للمرة الثالثة فنطت أرانب تجري خلفها ثعالب ، وطفق يدخل يده ويخرجها ، فتقز قرود تمرح مع الأطفال يرشقونها بالكاوكاو والموز فترشقهم بالقشور والحجارة ، تستدبر وتضرط مبرزة مؤخرتها الأرجوانية سخرية واستهزاء .
وعاد المرة تلو المرة لإدخال يده في كيس العجائب والغرائب ، فأخرج أسدا ونمورا وفهودا وفيلة صغيرة أول الأمر ثم تضخمت وكبرت متعاظمة، تدافع الناس وقد استبد بهم الذعر والفزع ناشدين الغوث والنجاة هاربين من غلواء الهول المحدق والهزل أمسى جدا وخطرا مترصدا في كل وجهة ووقع التدافع وداس القوي الضعف رفسا تحت الأقدام.
كان الغريب ثملا منشرح الصدر وهو يضحك مخرجا محتويات كيسه العجيب .
قال مسؤول وهو يلهث وقد ضاع منه حذاؤه وحقيبته وسط الجلبة :
ـ أضاع الخبير الدولي عقلي وحذائي !
لم يتوقف الرجل عن لعبه ، تملى الجبل الشامخ برهة فنحنى أمامه متصاغرا في حجم ورقة طوها طيا ، ودسه في تلافيف الكيس ، سوى قلنسوته على رأسه ثم أختفى عن الأنظار. .
- الأطلس الكبير في الكيس الصغير
- التعليقات