في صدر الجبل الأصم، يتنفس تآكل صخري، يلفظ شخوصًا ممسوسة بالحركة. ليست وجوهًا، بل تعاريج لجسوم تتلوى؛ تارة تتلاصق فترسم ملامح وجه منحنٍ، وتارة تتناثر كفتات روح. الوجه الكامن، مفطورًا من عذابات هذه الأجساد، يحدق في اللامكان. عيناه محفورتان صمتًا، وشفتاه تهمسان ضياعًا.
في زاوية مهجورة، انسلخت هيئة وحيدة. لم تبحث عن مستقر، بل عن وميض خفي في هذا الصخب. عيناها، بدلًا من الثبوت على رقصة الضياع الأزلية، تشبثتا بصدع دقيق يتسلل في جبين الوجه المتحجر. لم يكن مجرد شرخ، بل نصل غائر تتسرب منه نسمات قصة لم تُروَ بعد، قصة شعرت أنها تخصها وحدها.
مرت الريح، حاملة حفيف الذكريات، وهتاف الأرواح المنكسرة، وحكايا الوجود المتلاشي. الوجه الصامت، شاهدًا أخرس على مكسور الوجود، لم يكن سوى تجسيد لوجع أعمق. لم يكن الأمر في الأجساد المترامية، بل في الروح التي احتضنتها، تلك الروح التي بدأت تفيق.
فجأة، انشطر الصدع في الجبين، امتد كشريان مقطوع. لم تكن صوتًا، بل ارتعاشة صامتة سرت في كيان الصورة بأكملها. بدأت الأجساد تتهاوى، لا تسقط، بل تتلاشى في العدم الذي أتت منه. ثم تبعها الوجه، لم ينهار، بل انحل، ذاب في الفراغ، تاركًا مساحة باهتة كانت تحويه. تجمدت الهيئة الوحيدة، برد قارس سرى في أوصالها، عيناها تحدقان في العدم الذي حل محل الصورة.
انصهرت الحواجز. أدركت، بكل ألم ووضوح، أن الوجه الصخري والأجساد المتلاشية لم تكن إلا انعكاسًا مرآويًا لتلك الشظية المتصدعة في روحها هي. الصورة بأسرها، بكل فوضاها وجمودها وسقوطها، لم تكن سوى تجسيد لذلك “الصدع” الخفي الذي لطالما ظنت أنه مندمل. لكنها أدركت الآن أنه الصدع الذي ولدها.

أضف تعليقاً