القصة القصيرة

العشاء الأخير

فناء “القصر” يغصّ بالحاضرين… الجميع في انتظار مأدبة العشاء، تلك اللّحظة الفارقة. فبمقدار كمّيّة اللّحم الذي يغطّي الجفان و القصاع تكون المكانة…
و كان من عادات الأهل استدعاء ممثّلي السّلطة المحلّية من “قايد” و أعوانه و”شيخ التّراب” و رفاقه… فإن حضر” الشّيخ” فتلك الرّفعة، و إن حضر “القايد” فتلك الغاية و كلّ المبتغى. و ماذا بعد ذلك الشّرف غير حديث النّاس عنه إلى العرس القادم؟
و الحاج محمود لم يشذّ عن هذه العادة، فقد ألحّ على مرزوق “شيخ التراب” لحضور زفاف ابنه البكر منصور. يريدها مناسبة تبقى على ألسنة النّاس. و كان من عادات “العشاء” أن يجلس الحاضرون على الحُصُر أربعة أربعة متحلٌقين حول الصحاف يصيبون ما تيسر من طعام، ثم يتجشّؤون مصدرين أصواتا كريهة هنا و هناك، و لا أحد ينكر ذلك مادام العشاء فاخرا و اللّحم كثيرا يغطّي حبيبات الكسكسيّ و بعض القطع من الخضار الخجلى. الظّاهر أنّه لا أحد يحفل بها، فكثيرا ما تعود مع الصحاف معفّرة.
في زاوية هناك من ساحة “القصر” قرفص اثنان من أعوان “الشّيخ” الذي حضر منذ قليل، ولكن لأمر ما غادر المجلس مع أحد أعوانه المخلصين بعد أن لقي من الحاجّ محمود كلّ التّرحاب الذي يليق بمكانته.
والحاجّ محمود أحد متساكني القصر البسطاء، لم يجد حظوة تليق بالمقام، ولكنّه استطاع أن يتحايل على الدّنيا و أن يكوّن أسرة. و قد أنجب إلى جانب منصور ابنين: أحدهما الأصغر، لم يبلغ السادسة من عمره، أمّا الوسطى فابنته راقية، سرعان ما جرت دماء الشباب في وجهها النّضر، فزادت بهاء حتّى صارت مطمع الكثيرين من أبناء “القصر”، غير أنّها ما فتئت تردّد بأنّها لا تفكّر في الزّواج. و مازال أبوها يصرّ على أنّها صغيرة السّنّ، فيعودعون خائبين و في أنفسهم شهوة مكبوتة.
انتظر العونان طويلا… كانت عصافير بطنيهما تصدر قرقرات… أصابهما الإحراج و هما يريان بقيّة المجموعات تنصرف للجلوس في ناحية أخرى من الفناء لمتابعة حفل الغناء… ثمّ لم يلبث الإحراج أن انتقل إلى صاحب العرس… ظلّ عاقدا يديه خلف ظهره و هو يذرع الفناء جيئة و ذهابا. كلّما سأل عنه أحدهم أجاب بحركة من رأسه بأنّه لا يدري شيئا. لعلّه خشي من انصرافه نهائيّا و عدم تشريفه للمحفل. أين أنت يا مرزوق؟ أين أنت؟ … لمَ هذا الغياب؟… هذه الأسئلة و غيرها أقضّت مضاجع تفكيره. خاف من الفضيحة و العار…
غُرَف “القصر” مظلمة في مثل هذا الوقت، لا حركة و لا ضجيج، فالجميع في الخارج حتّى السّاعات الأولى من الفجر. بيد أنّ صمت اللّيل و سكونه بدّدته أنّات و بعض حشرجات و أنفاس متقطّعة تعلو تارة و تنخفض أخرى . و كانت الأصوات صادرة على الأرجح من غرفة قصيّة تشرف على المنحدر الغربيّ من الجبل. و ربّما صدرت أصوات مكتومة ترغب في الانفجار فتُرَدّ بعنف.
ساعات اللّيل تزحف بطيئة ثقيلة على العونين و الحاج محمود. هل يمكن أن يبدأ المحفل دون أن يحضر مرزوق و يصيب من الطعام؟
ثمّ تتهلّل الوجوه، و تنفجر الزّغاريد بركانا من النّسوة الحاضرات، و لاسيّما من أمّ العريس و هي تجدّد التّرحاب “بالشّيخ” الذي عاد من جديد، فشرف ابنها من شرف حضوره.
جلس إلى العونين الآخرين في حلقة معتادة. لم يكن مرزوق مثل بقيّة “الشيوخ” رجلا مسنّا، فلم تكن سنّه قد تجاوزت الخمسين إلّا ببضعة أعوام، ظلّت العزوبيّة تطارده إلى هذه السنّ، و الجميع في استغراب. ولكنّه حافظ على على هيبة المنصب و وقاره بما يملكه من صرامة و حظوة عند “القايد” رغم حملات التّشكيك و اللّمز. لم يكن الجميع على كلمة واحدة في تنصيبه. بيد أنّ السّلطات زكّته، بل فرضته فرضا. فلا مناص من القبول به و لو على مضض.
هشّ المشرفون لخدمتهم… جِيئُوا بما لذّ من الطّعام و الشّراب الذي رُكِن جانبا خصّيصا لهذه المجموعة. و تمتدّ الأيادي تمزّق اللّحم و تلقمه أفواها نهمة. غير أنّ الحاجّ لاحظ أن يدَ مرزوق لا تمتدّ إلى الصّحاف و الجفان، فلا يصيب منه شيئا.
و يحسّ الحاجّ بالحرج من جديد. قال:
– “كُولْ”ْ يا شيخْ…
– الحمد للّه، ربّي يْبَقّي علِيكْ السِّتْرْ.
– بربّي يا شيخْ كُولْ، راهو لحم علّوش عربي.
– و الله على خاطرك يا حاج…
و يمدّ يده إلى حبّة تفّاح ناضجة متورّمة حمرة، و يقضم قضمة نفذت إلى اللّب، و يترك البقيّة.
تدور عيناه في محجريهما كالسّرحان، ثمّ يتزحزح قليلا عن جلسته، و ما لبث أن تحرّك يمينا و يسارا يسوّي وضعه كدجاجة في أدحية، محاولا أن يلفّ جسده ببرنسه لكأنّما يريد إخفاء شيء ما. ثمّ يُسْلم نفسه لنعاس خفيف، و النّاس من حوله ينظرون بين مستغرب و منكر و حتّى متندّر.
اللّيل يتوغّل رويدا رويدا… اُفتُقِدَت راقية، و لم يظهر لها أثر. سألوا عنها كثيرا و لم يعثروا على جواب..
كلاب القصر يرتفع نباحها فجأة. يستحيل عويلا مريرا، تدخل إلى السّاحة، تضجّ بالنّباح. تُنهَر بقوّة، و تُدفَع إلى الخارج. فتصرّ على اقتحام القصر و النّفاذ إلى الدّاخل من جديد. ثمّ تغادر السّاحة في صفّ متعرّج. أحد الفتيان تبعها إلى المنحدر الغربيّ من الجبل حيث اشتدّ نباحها و هي ترنو إلى الأسفل.
ثمّ جاء الخبر اليقين، وانتشر كما تنتشر النّار في الهشيم. ينسى الجميع “وصلة الغناء” التي تؤدّيها “الطّايفه”، و يهرعون إلى المنحدر حاملين بعض المشاعل و الفوانيس الّتي ركبها الغبش، فلا تكاد توضِّحُ الرّؤية. و استطاع الفتى أن ينزلق إلى أسفل و أن يربط راقية بحبل متين…
لمّا سُحِبت إلى الأعلى و أُدخِلت على عجل إلى الفناء كانت جثّة باردة قد أسلمت الرّوح إلى بارئها…
“القصر” يتنفّس حزنا و لوعة و ولولة نسوة. وجد رجال “القصر” الفرصة سانحة للشكوى إلى “الشيخ” الذي ظلّ على جسامة الموقف فاترا. كان يردّد بأنّه سيمسك بالجاني و سيلقى عقابه، و النّاس من حوله مصدّقون مثمّنون. أمّا البعض من أعوان “الشّيخ” فمافتئ يردّد بأنّها سقطت لمّا زلقت قدمها، فالمنحدر خطر جدّا، و لا وجود لجريمة.
و في خضمّ ذلك كلّه لم يتفطّن الجميع إلى تلك القطرات الحمراء الّتي وصل البعض منها إلى كعبيْ الفتاة، إلّا الأب، راح يتقيّأ مرارة الحنظل بعد أن اجتاحت حلقه. تذكّر العشاء الفاخر، تذكر التّرحاب المفرط، تذكّر حفاوة زوجته….

كلاب “القصر” مازالت ترابط على الأبواب في نباح مستمرّ و هي تشير بأنوفها إلى الدّاخل، ولكن لا من مجيب.

” القصر” نمط بناء تقليدي في شكل غرف متلاصقة تشكل عادة حلقة وسطها فناء شاسع.
“الطايفه” فرقة غناء تقليدية.

السابق
زلَّةٌ
التالي
قراءة في نص “العشاء الأخير”

اترك تعليقاً