(باعلال) رجل خمسيني أو يزيد قليلا، جسد ضخم، طويل وعريض، وجه بملامح مركبة، كأنما رسمت بريشة فنان مبتدأ، ملامح وتجاعيد فلاحية، وبشرة سمراء بلفحة الشمس، عينان هادئتان، وجنتان بارزتان بخطوط وردية تنمان عن صحة ونضارة، وشارب تركي بتفاصيل إنكشارية…
(باعلال) شخصية متفردة، لا يشتغل، ربما لم يشتغل أبدا، ولكنه يرتدي دوما بدلة العمال الزرقاء، وهو متزوج بحريم من أربع نساء، كلهن يشتغلن في المانيفاكتورات الموزعة على الحي الصناعي، كانت حياتهن موزعة بشكل صارم بين البيت والعمل، أما هو فيستيقظ متأخرا، ويقضي وقته في الحديقة الصغيرة لباحة المسجد، يدخن، يلعب الورق والضامة مع شلته المفضلة من المتقاعدين والعجزة، في الصباح يستمتعون بأشعة الشمس، وفي الظهيرة يستظلون بسور المسجد، يصلون الجماعة بانتظام، ويعودون للعب…
كان بيته الكبير مكونا من طابقين، طابق أرضي خاص بالحريم والأبناء، في حين يحتل هو الطابق الأول، كان البيت يخضع لنظام خاص، صارم، ولا يتغير أبدا، ف(باعلال) رجل من عجينة خاصة، لديه رؤية وفلسفة خاصة لمعنى الرجولة، والأسرة، والأبوة، وفلسفة التربية، وصراع الأجيال…
يأكل وحده، ولا يجلس أبدا إلى مائدة العائلة، الطابق الأول عبارة عن مملكة ممنوعة على الأطفال، ولا تصعد إليه النساء إلا بنظام معلوم، ليلة واحدة للزوجة الأولى الأكبر سنا، ليلتان للزوجة الثانية، ثلاث ليلات للزوجة الثالثة، وأربع ليلات للزوجة الرابعة الأصغر سنا.
لم أنجح أبدا في معرفة عدد أبناء (باعلال)، فقد كانو قبيلة ممتدة، كانوا يلبسون بشكل غريب، ملابسهم بالكاد تستر أجسادهم الصغيرة، يرتدون سراويل فيكون الجزء العلوي عاريا تماما، وعندما يكون الجزء العلوي مستورا، تغيب السراويل…كل مرة أشاهد عريهم أستحضر صور الطفولة البئيسة في إفريقيا ودول الساحل…
عندما يتعالى ضجيجهم في الزقاق، ويقلقون راحته أو يكدرون قيلولته، ينزعج، يغضب (باعلال)، ينهرهم بقسوة:
– دخلوا تنعسوا أزريعة الحرام!!…
لم أفهم أبدا التناقض الحاد بين حرصه الشديد على حريمه، وبين مساحة الحرية التي تتمتع بها ابنته الوحيدة (منال)، كانت جميلة جدا، حد الإغراء والغواية، لسنوات كانت هي الموضوع المفضل للنميمة بين نساء الحي، وموضوعا لمشاعر الغيرة والحسد…أما الشباب والرجال، فكان الأمر فصاميا بشكل صارخ، فالجميع يتمناها، يشتهيها، والجميع يحتقر والدها، لم يكن للأمر علاقة بالشرف، الأمر شبيه بأرض النفاق، حيث الغريزة قانون أقوى من قشرة الأخلاق، فالناس هنا لا تأبه كثيرا لفكرة المثاليات…كنت أندهش كثيرا وأنا أرى الصائمين، رجالا ونساء، يعقدون مواعيد مشبوهة لما بعد الإفطار…
والحقيقة أن التناقض وفكرة الفصام افتراضية، فالحياة معقدة، مركبة، وليست دائما كما نتصور، والناس هنا تعيش حياتها بدون عقدة ذنب…
وكانت تلزمني سنوات لكي أفهم وأستوعب الأمر.
توقفت (منال) عند السنوات الأولى من التعليم الإبتدائي، نضجت بسرعة، وفاض جسدها بفعل خميرة غريبة وغامضة… ودخلت عالم الرجال مبكرا، كانت تبحث عن زوج، وتعرف بحسها الغريزي أنها لن تجده في مدينتها، فرحلت واختفت لسنوات.
تغيرت ملامح الحي تماما، مات (باعلال)، وعادت (منال) أخيرا، بدت سيدة مكتملة النضج، بهية، أنيقة، مشرقة، وفي قمة العنفوان، عادت وفي عينيها بريق سعيد وهدوء غامض، تمسك ذراع زوجها وتمشي بكبرياء…
وقف الجميع يتابع عودتها للحي من جديد، وقفت أنا أيضا أتأمل المشهد، أتأملها، أتأمل الرجل الواقف إلى جانبها، كان زوجها نسخة معدلة، مزيدة، ومنقحة من (باعلال).
- بنت باعلال
- التعليقات