القصة القصيرة

حدث بالأمس

قبل كل شيء أنا أكره الفعل الماضي بكل أنواعه الناقص منه والكامل ..المركب والصحيح .. لم يحصل أنني نظرت للوراء مهما كان هذا الوارء مغرياً أو جذاباّ , مهما كان حنوناً أو آسراً لأن لدي قناعة أن الذي يذهب لا يمكن أن يعود ولو بالأحلام .. والدليل على ذلك أنني أكره كتب التاريخ لأن التاريخ لا يكتبه سوى الأقوياء ..

استيقظت مبكرة وقررت قراراً أدخلَ الخوف إلى قلب أمي ……‏
خرجت يشدني شوق عارم إلى شوارع حمص التي انتُهكت على مدى خمسة أشهر من قبل عصابات لا تعرف الله , وكانت وجهتي حديقة خالد بن الوليد , هذه الحديقة التي ضمت طفولتي وشبابي ..‏
قررت قبل اللجوء إلى الحديقة أن أدور على الشوارع الرئيسة في مدينتي ..‏
فمن شارع الحضارة وصلت إلى طريق الشام ,مروراً بالمركز الثقافي الذي علق أنشطته بسبب الوضع الأمني , وصلت إلى شارع الدبلان الذي يعرفه العالم كله فهو قلب المدينة الاقتصادي , خرجت منه إلى دوار الساعة الجديدة , وأكملت إلى نقطة تلاقي الشوارع عند الساعة القديمة .. تمنيت أن ألثم كل باب وحجر ورصيف في أحياء مدينتي التي شرَّحتها شفاه العهر السياسي ..‏
وقفت بإجلال عند ضريح الجندي المجهول على طريق حماه …‏
قرأت الفاتحة على أرواح أبناء بلدي الذين ذهبوا كرمى لعيون سورية ..‏
أفقت من شرودي على صوت ينادي باسمي .. تلفتُّ بكل الاتجاهات, لمحت سيارة من طراز فاخر تقترب مني ويطل من نافذتها رجل أربعيني , دارت آلة الزمن في عقلي خمسة عشر عاماً للوراء ….‏
تمتمت بصمت : مروان !!! يا إلهي مروان !!؟؟ أنا غير مصدقة ……. مروان ؟؟؟؟؟؟‏
صدح بفرح : اصعدي أيتها الشقية , أما زلت من بين الأحياء ؟؟‏
مروان …. حبيب الأمس …. الأمس ؟؟؟؟ أي أمس ؟ لقد مضى زمن طويل جداً ..‏
أصابني داء الخرس , فمن أين سأبدأ؟ وماذا ستحمل هذه المصادفة التي تمنيتها منذ سنين وأنا أبحث عن عناوين مروان الذي رحل و استقر في أمريكا, تزوج أمريكية , ثم تزوج عربية مصرية , ولا أدري ماذا بعد ..‏
بدأ يثرثر وصوت مايكل جاكسون يحلق في سماء السيارة يرتب كلامه الفوضوي بموسيقى أكثر فوضوية ..‏
نظر نحوي وقال : قولي شيئاً لِم الصمت ؟‏
كان الصمت مناشدة له أن يسكت كي أعيد تشكيله من جديد ..‏
قلت له فجأة : هيا بنا إلى حيث كنا نتلاقى , هل نسيت المكان ؟‏
صاح بغضب : لا يمكن أن أنسى بيت الآغا .‏
شد عنان سيارته وكنا خلال دقائق في مطعم بيت الآغا …‏
جلس قبالتي وهو يتفحصني وكأنه يبحث عن تلك الأيام .. قال وهو يلوك لقمته :‏
– اشتقت إلى الطبخ الحمصي والهواء الحمصي , اشتقت إلى عينيك ..يا إلهي لا زلت جميلة !!‏
قلت : ماالذي عاد بك .. أمريكا أكثر أماناً من سورية؟‏
تمتم ببعض الشتائم التي كنت أسمعها منه في زمن جميل , ابتسمت وأنا أستعيد لحظات كانت ولا أروع….. قال بغضب :‏
– سورية لم تخرج من وجداني أيتها الغبية, من يشاهد القنوات الفضائية يظن بأن سورية تحترق, وإذ بها لا زالت واقفة على قدميها .. جئت لأساهم في رفع الغبن عنها , وسوف أستقر هذا الصيف هنا , غداً سأسافر إلى دمشق .. وسوف أساهم في دعم الليرة السورية , ولست وحدي , لقد عاد المستثمرون السوريون من المهجر , إن لم يكن كلهم فمعظمهم ..‏
صفقت بصوت عال وسألته : هل تقول الصدق ؟‏
حدجني بنظرة قاسية وقال وهو يستنشق هواء السيكارة :‏
– لقد مضى أكثر من ثلاثة أيام وأنا أبحث عنك ِ, لقد تغيرت أرقام الهواتف , وتوسعت الأحياء وتداخلت لدرجة أنني لم أعد أميز حي باب السباع عن النزهة , ولا عكرمة الجديدة عن طريق الشام ..‏
قلت بألم : كل هذا التداخل والعشق بين الأحياء ولا زالوا يراهنون على الفتنة بيننا ..تفضل هذه أرقامي الجديدة .. لكن أخبرني كم معصية ارتكبت في غربتك؟ لقد علمت بزواجك وطلاقك ..كيف تعيش هناك ؟ هل تأقلمت بهذه السرعة ؟؟‏
أمسك خصلة شعري وشدها بعصبية مفتعلة وقال :‏
– قبل أي شيء أخبريني أنت, ألا زلت متمردة مجنونة ؟ ألا زلت تمارسين الكذب عبر كتابة القصص؟ ألا زلت مقتنعة بأن فلسطين ستعود كاملة من النهر إلى النهر ؟ ألا زلت تكرهين أم كلثوم ؟؟؟؟ ألا زلت تعشقين اللون الأزرق ؟ألا زلت عنيدة ؟؟؟؟؟؟‏
ضحكت وكأنني لم أضحك منذ دهور, مروان يحتفظ بكل هذه الأشياء في قلبه ..قلت وأنا أمسك جوّاله الفخم:‏
– هل أصبح عندك أولاد , ما عددهم ؟ ألا زلت تعشق النساء ؟ ألا زلت تغيِّر ماركات السيارات كما تغير جواربك ؟؟ ألا زلت تصف المرأة المثقفة بالمسترجلة ؟ متى ستعود إلى أمريكا ؟ بالله عليك كيف تفهم على هذا الجوّال اللعين ؟؟‏
لم يجب أحدنا على أسئلة الآخر رغم أننا لم نتوقف لحظة واحدة عن طرح الأسئلة .. ورغم أننا كنا نريد أن نعرف لماذا افترقنا …‏
خرجنا من المطعم , ذهبنا إلى مدينة الملاهي , كانت تغص بالأطفال والعائلات والصراخ وتقاذف الكرة , والفرح, بينما مايكل جاكسون رافق خطواتنا بضجيجه الذي يشبه ضجيج المدينة هذا الصباح.‏

السابق
رغم ظلم النقد الجزائري عثمان لوصيف … خطاب ملغّم بتمائم
التالي
ثـقافة الاحتجـــاج

اترك تعليقاً