القصة القصيرة

دقيقة حُب

و راح يقفز مسرعاً مُتنقلاً من سائق الى سائق مُحاولاً استغلال كل ثانية من زمن تَوَقُّف الشارة المرورية في ساعة شمسٍ عمودية ليومٍ تموزيّ مُلتهب و طبقة من غبار المكان و عوادِم السيارات قد كَسَت شعره الذهبي الناعم و عرقٌ غزيرٌ يصُبُّ من جبهته في عينيه صَبّاً .. فتراه يحاول تجفيفهما بِكُمِّ قميصه البالي و قدميه الحافيتين تشتكي حَرّ الأسفلت المتوهج و أصابعه الصغيرة تقبض على علبة بسكوت من النوع الرديء علَّه يجد سائقاً يُلبي نداءه قبل أن تفتح الشارة المرورية .. _ بسكوت .. ؟ تشتري بسكوت .. ؟ بسكوت بسك …. توقف فجأة عن القفز و النداء .. نَسيَت قدماه توهج الأسفلت و راح يتأملها من خلف زجاج نافذة المقعد الخلفي لإحدى السيارات الفارهة المتوقفة بإنتظار تَغَيُّر لون الشارة المرورية .. و راح يُحَدِّث نفسه مُحاولاً بَلْع ريقه الذي جَفَّ إلى حَدِّ التَقَطُّع ..
– إنها في مثل عمري .. فأنا في الصف الخامس الإبتدائي و ربما هي مثلي .. و لكنها ترتدي ثياباً جميلةً و أنا لا .. و هي جالسة على أريكةٍ مُريحةٍ و جهاز تكييف يضُخُ عليها البردُ ضَخّاًو أنا أقفز على أسفلت متوهج و من حولي نار الشمس تشويني شوياً و هي تشرب المثلج و ربما ما هي بِعطشى و حلقي يكاد يتقطع ظمأً .. يا إلهي ..أنا الأول على فصلي و لا أظنها مثلي و لكن .. و لكنها جميلة .. ربما أجمل مني ..
و دون شعورٍ منه راح يقترب من زجاج نافذتها حتى تَوَقَّفَ بمحاذاتها ناظراً إليها مُتأملاً لِتنتبه إليه .. تتوقف عن الشرب من زجاجتها المثلجة .. تتأمله ..تُحَدِّث نفسها ..
– مامي .. ! ما أجمل هذا الولد .. ! و لكن لماذا يقف تحت الشمس المُحرقة ؟ و ما هذا القميص المُمَزَّق و ماذا يفعل بعلبة البسكوت التي يُمسك بها ؟.
و دون شعورٍ منها راحت تُنزِل زجاج نافذتها ليتقابل وجهاهُما .. يكادان يتلامسان .. تسأله ..
– شو إسمك ؟
– جميل
– مامي .. ! و أنا جميلة ..بأي صف أنت ؟
– خامس
– ياي .. ! و أنا خامس مثلك .. مِش عطشان و إنته تحت الشمس ؟
– عطشان ؟
تَمُد إليه زجاجتها المثلجة ..
– إشرب ..
– لا .. شكراً ..
– إنته ليش ماسِك البسكوت و واقِف هان ؟
– عشان فِشي عِندنا خبز و طبيخ ..
– آه .. قصدك يعني بابا ما راح على السوبرماركت اليوم ؟
– أبوي مات من زمان ..
– إرفعي الزجاج أضعتي التكييف يلّا ..
صاح بها والدها و عيناه تَرقُبان الشارة المرورية مُتَحَفِّزاً للإنطلاق .. تُسارِع بِرفع الزجاج حتى تغلقه و تضغط جبهتها و أرنبة أنفها و شفتاها على الزجاج الحائل بينها و بينه لِيدنو رويداً رويداً بِجبهته و أرنبة أنفه و شفتاه حتى ألصقهما بالزجاج الذي تحوَّل لِفاصِل شفاف بين الجِباه و الشِفاه .. يسيل اللعاب على الزجاج من شفتيها و في شفتيه ما مِن لُعاب .. تغمُره السيارة فجأةً بِغيمةٍ من عادمها الأسود مُنطلقة كالسهم إلى عالمها لِيبقى مكانه تحت الشمس يتأملها و هي تَتَوارى وسط الزحام.

السابق
بين الضحك والهم العام فى قصة “حصرى”
التالي
قراءة نقدية في نص “دقيقة حب”

اترك تعليقاً