القصة القصيرة

رسالة لم ترسل

يوم ربيعيّ كان، و كانت الأغصان تلتفّ على الأغصان في عناق، مثل جميع الكائنات الحيّة التي تعيش الحبّ في ربيعها؛ سمقت أزهار المشمش الخلّابة والتقت نجوم الياسمين المتغلغل في درابزين الشّرفة المطلّة على النّهر، مياهه اللازوردية تجري انحداراً باتّجاه الغروب، تسبح فيه زوارق مختلفة الأشكال ذات أشرعة ملوّنة أحياناً. عبق الجوّ بأريج فاقه نشوة عطر أنفاسك و هي تهمس لي بأعذب آيات العشق؛ كنت تجلسين قبالتي كإلاهة على جبل الأولمب وأنا أغبط نفسي على حبّك، وحياتي في ملكوتك. بيدي قهوتي، التي لا تطيب إلّا معك، تموج مثل أفكاري؛ قلت لك أنّ كل النسّاء يحببْنَ الأطفال إلّا أنت! ضحكتٍ و أدركتٌ أنك لا تريدين شريكاً في حبّك لي. عندما عرفتُك، لا أذكر في أي عصر كان، أخبرتك: أريد أطفالاً كثراً، لمَ لا؟ ألا يكفي أنك أمهم؟
مضت سنتان، تلتها اثنتان وأنا أرجوك تحقيق رغبتي، وافقتٍ؛ كنتٍ سعيدة جداً، لا تسعك دنيا وقد أدهشني شعورك بعد أن كنت ترفضين
لم يتحقق أملنا، زرنا الطّبيب، بعد أيّام أكّد لنا أني عقيم. صدمة قاسية أصابتني.
نظرت في عينيك أبحث عن قارب نجاة، أرتمي فيهما، علّ نار جرحي تخمد، أشكو لهما يأسي وأملي الضائع؛ كانتا تترقرقان بالدّموع، تعتذران لهذه الخيبة التي لا يد لك فيها، حيث لا يفيد العذر.
كيف أقتنع وقد جهّزت قائمة بأسمائهم وحساباً مصرفيّاً لدراستهم و……. ،قرأت وتعلّمت كيف أكون أباً حنوناً ومثالياً و…… .
أتساءل الآن كيف صبرتٍ على إلحاح أهلي بالزّواج ثانية، ولم تكشفي سرّي؛ كنت موافقة مع أن هذا يعني الانفصال.
تمرّ الأيّام، لم تكن كثيرة أو أنّها كانت سريعة، ويزداد شغفي بك وشوقي للأطفال الذي لم يفتر أبداً؛ تركت لك حريّة الاختيار في البقاء معي أم لا؛ لأنّي لا أريد حرمانك من متعة الأمومة مثلما حُرمت؛ في كل مرّة كنت تعانقيني وتناديني بابني المدلّل الذي لا أريد غيره. هل كنت ألحّ في السؤال طمعاً في ردّك الذي كان يعضدني؟
جاء اليوم المقدّر، الذي لم أستطع، بكل ما أملك من حبّ وقوّة وثروة ورغبة، أن أتحاشاه.
ها نحن قد انفصلنا، ليس برغبتنا، لكن برغبة من هو أقوى؛ رحلتٍ، تركتٍني وتركت لي حسرةً وحزناً تميد تحتها الجبال؛ وأنا، من هنا، أقسم لك ولأهلي أني لن أتزوج ثانية، ليس لأني أعرف ضعفي، بل لأنّ طيفك يعيش معي في كل تفاصيل حياتي، في شعوري أنّنا ثلاثة : الأم، و الأب، و الأب الطّفل.
يا ملاكي الحارس! يا روحاّ نقيّة في السّماء، ترعاني! ما هذا الحدس الذي كنت تتمتّعين به؟ يالها من موهبة ألوهيّة!
هل كنت تتبيّنين أنّ حياتك ستكون قصيرة؟
ألهذا اخترنا بيتاّ على ضفّة نهر يجري، بسرعة، إلى الغروب؟
هل كان ذلك عبثاً؟

السابق
رفاهية
التالي
قراءة في نص “رسالة لم ترسل”

اترك تعليقاً