طالت الحرب مع اليابان. يبدو أنْ لا بدَّ من هجوم كاسح ينهي هذه الحرب. هكذا بدأ النقاش في مقر القيادة المركزية الأمريكية بين أعضاء لجنة مشتركة من العلماء والعسكريين. وقع الاختيار على القنبلة النووية، دون أدنى خلاف بين المجتمِعين، ودون أدنى خوف أو وجل أو تفكير بعواقبها وأثرها على الناس، ففي المحصلة القتلى هم أرقام محضة، تدوّن في السجلات. المهم هو كسب الحرب.
بل من أجل أن تكون مشاهد الدّمار مبهِرة ومدمّرة ومؤثّرة جدًّا في نفوس اليابانيين كان لا بدّ من انتخاب هدفٍ لم يمسسه أذى قطّ من قبلُ، هدف ما زال طازجًا، يسيل له اللعاب الأمريكي الشَّرِه.
دوّنتْ اللجنة قائمة قصيرة بالمدن اليابانية التي يمكن أن تكون أهدافًا محتملةً للضربة النووية. وجاءت مدينة هيروشيما، أوّل الأمر، في المرتبة الثّانية على تلك القائمة. فقد كانت المدينة، طوال الحرب، في مأمن من قصف طائرات B-29، بعكس مدينة طوكيو التي كانت خيارًا بديهيًّا، لأنها العاصمة؛ غير أن القصف المتواصل عليها كان قدّ حوّلها إلى أطلال.
من ضمن الاختيارات كانت مدينة كيوتو، عاصمة اليابان القديمة، كانت خيارًا واعدًا أكثر لما تمثّله من قيمة ثقافية ورمزية لليابانيين، ولكثرة عدد المنازل والمعابد التقليدية المشيّدة من الخشب، فيُمكن أن تلتهمها النيران بيسرٍ وسرعة وشدّةٍ مذهلة. أبدى جميع أعضاء اللجنة تحمّسهم لهذا الخيار المؤثّر. بقيت موافقة العضو الأخير في اللجنة، هنري ستيم، المستشار الحربيّ.
– سأل رئيس اللجنة: أين هنري؟
– ردّ أحدهم: سيحضر حالًا. قال إنه سيرافق زوجته إلى المستشفى.
حضر هنري. اتّخذ مقعده بين أعضاء اللجنة، عرضوا عليه الاختيارات. هبّ واقفًا، تورّت وجنتاه، ثم احمرّتا، وجحظت عيناه الزرقاوان بلهبٍ غازيّ أزرق، وصرخ: كيوتو… لا، وألف لا!
– دُهِش الجميع، همهموا بصوت واحد: لماذا تهتم لأمر كيوتو؟!
– قال هنري بصلفٍ وانتفاخ كاذب، وهو يجلس على مقعده: تعلمون أننا نأسف لهذه الحرب، بل لاستخدام هذه القنبلة التي نحن بصدد مناقشتها؛ لكن علينا أن نحافظ على مشاعرنا وذكرياتنا الجميلة!
– قال رئيس اللجنة باستهزاء: وما ذكرياتك الجميلة في كيوتو، هنري؟!
-ردّ بثقة وغرور: لقد زرت كيوتو في رحلة شهر العسل قبل عشرين عامًا، وأنا وزوجتي نحفظ في قلبينا ذكريات جميلة عن تلك الرحلة.
بعد إصرار من هنري وافقت اللجنة على استرحامه لكيوتو، وأعفيت من القصف ومن الضربة النووية المحتملة.
تحوّلت هيروشيما من المركز الثّاني، بين الخيارات، إلى المركز الأوَّل. ثمَّ حلّت بعدها ناجـازاكي. وفي 6 آب 1945م أُلقيتْ قنبلة الولد الصغير (ليتل بوي) على مدينة هيروشيما. وبعد أيّام ثلاثة في 9 آب انفجرت قنبلة “الرجل السمين” (فات مان) في ناجازاكي.
عاد هنري إلى بيته يحمل صورًا مما نشرته الصحف اليابانية لأكثر من ثلاثمئة فتاة يابانية التهمتهنّ النّيران وهنّ ما زلنَ على قيد الحياة، ومبانيَ في هيروشيما أصبحتْ أثرًا بعد عين، وناجين تتدلَّى الجلود من عظامهم (كان مشهد الجِلد المتدلِّي من الأجساد أحد الصّور المتكرِّرة)، وشخصًا يحمل في يدَيه كرتَي عينَيه، وطابورًا من الجرحى يسيرون على امتداد سكك الحديد، بدت جلودهم وكأنها خِرَق من القماش، منزوعة من الأذرع بفعل الحروق، كانوا كالأشباح، اصطفّوا في طوابير منتظمة في انتظار دورهم أمام المستشفيات.
أخذ هنري، بعد أن تناول الغداء مع زوجته، وقد جلس يحتسي الشاي، يستعرض الصور، ثم يمررها لامرأته، واحدةً واحدةً. كانت تنظر فيها باشمئزاز بادٍ، ثم تكفيها على الطاولة أمامها، وياها ترتجفان، دون أن يلاحظ هنري ذلك.
لكنها شُدِهت وفغرت فاها حين قال لها بتبجّحٍ: يُقدّر أن 91٪ من سكان هيروشيما قد تعرّضوا للإشعاع، إن لم يموتوا اليوم فسيموتون في خلال سنوات…، ثم تابع متظاهرًا بالدماثة: من الرائع والجميل أن كيوتو، مدينة ذكرياتنا، لم يصبها أيُّ أذى!
هبّت به وصرخت: يالَبَجاحتكَ! أتفرح لقتل الناس بدمٍ بارد، وتسلّي نفسك بذكريات بائسة؟!
بَحْلَقَ فيها…، ولم يُحِرْ جوابًا! فيما أمسكت هي فمها لتمنع الاستفراغ الذي داهمها قرفًا من هذه الصور، ومن حديث هنري السمج!