القصة القصيرة جدا

شمس خلف الضباب

كانت المسافات تبدو مثل خيط واحد، ضباب يبدو متداخلا كدخان أبيض، إذ به عازل يقسم المسافات إلى نصفين، لا تدري إن أجتزتها بنجاح، أو وقعت في الهاوية، قال في نفسه وهو يربط خيط حذائه، هل أمضي؟ وليكن ما يكن .. إنني أشعر أن ما ورائي أثقل مما أمامي… التفت مرات عديدة، هم بالوقوع، يد ما بيضاء انتشلته من غبار أببض، إذ به يرتجف، شعر أن صوتا قد كلمه لتوه؛ عد إلى رشدك.. فتح عينيه.. كل ما حوله سراب.. أرض جرداء ، صلبة ، طفل يحبو بالقرب منه، لمس رأسه المتفصد عرقا… ناغاه بهدوء .. ذكر اسمه مرات عديدة، ظن أنه ميت ، أو أنه يحتضر، فالأرض تحته، والسماء فوقه وهو يستعيد أنفاسه ببطء ببطء.. جلس الطفل وظل يردد كلمات مبهمة .. لحقت به أمه، دع والدك يلتقط أنفاسه، الطريق طويلة … لمح وجهها المحمر، وشعرها الأشقر، لا مكان يضمهما، تبعثرت القصص في أركان المكان ، غربة جامحة في عمق الوطن، أصوات الانفجارات تبدو بين الحين والآخر كـ لعبة الحياة، تارة يغيب عن الوعي وتارة يعود وهو يحاول النهوض، فيقع ثانية وثالثة .. الطفل يقترب منه، يقع على جسده الممدد، والمرأة تسحبه إلى حضنها، دعه لا يسمعك .. هيا بنا .. إن كان حيا سيلحق بنا .. رآهما يغيبان خلف الضباب .. الدخان .. أصوات الانفجارات .. الناس يهرعون من كل الجوانب، حتى الطيور في لحظة واحدة أقلعت من أوكارها نحو الضباب ، اختفى كل شيء .. الطفل ، المرأة، والحياة .. مد يده نحو اللامكان .. تأتأ ببعض الحروف .. انتهى كل شيء من حوله، قام يرتجل الفراغ ، والجروح النازفة ، ثمة ما يبقيه حيا .. أمل ما في آخر الطريق .. يحاول أن يكتنف ألمه ويمضي، عله يلتقي بهم عند درج البيت وهو آخر ما تبقى على سطح الأرض.

السابق
خيوط الذكرى
التالي
أنانية

اترك تعليقاً