القصة القصيرة جدا

صحوة

كان لزخّ إعلامهم المهيمن سيطرة مطلقة على تفكيري، لم أُخضِع نفسي لمحاكماتٍ كما أفعل بالعادة، بل انقدتُ كمُنوَّمٍ مغناطيسياً ..
تناسيتُ كلَّ جميلٍ لكم، كيف استُقبلنا عندكم كالأهل وقت شدّتنا حين أنكرنا الجميع ..!! ولكنّه الإعلام الذي كبّلنا بألسنة الحقد الأعمى ..
نُظّمنا ضمن مجموعةٍ تديرها غرفة عمليات في دولةٍ مجاورةٍ.. لا أخفيكم سراً.. أنا ممّن أشك بعمالتها للأجنبي .. ولكن المال والإعلام أنسياني ذلك.
كانت مجموعتي تضم (مجاهدين) من مختلف البلدان الأجنبية والعربية، والسوريون فيها كانوا قليلي العدد، يقودنا شيخٌ خليجيّ اللهجة.. مهمتنا كانت (كما سموها) تحرير نقطة عسكرية أقصى الجنوب السوري، هجمنا بالمئات، قاوموا ببسالة نادرة .. قتل الكثير من أولئك الذين يسمّون أنفسهم المجاهدين ولكن بالنهاية نجحنا (بتحرير) النقطة وأسرنا من فيها؛ ولم يكن عددهم يتعدى العشرة.. أخذنا الجنود الأسرى للمحاكمة.. أيّ محاكمة تلك..؟! ارتعدت فرائصي للأحكام التي أصدرت بحقهم .. حُكِمَ على أعلاهم رتبة – وقد كان شاباً يافعاً تبدو عليه ملامح الثبات ورباطة الجأش – بالركل حتى الموت، والثاني بالحرق، والبقيّة بالذّبح بسكين متثلمة.. نعم سيدي، هذا الحكم بعد أن نفّذوه بحضوري؛ صحّح بوصلتي ورسّخ قناعتي بما كنت أشك!
وجمتُ مشدوهاً أحاكم نفسي أولا، وزخّاتٌ من التساؤل تغسلني ..!! أي ثورة هذه؟ وأي جهاد هذا؟ وأي تحرير هذا؟.. زفر زفرة حزنٍ وألمٍ وتابع:
يا سيدي..! لن أنسى تلك القرية التي اجتاحوها لم ينجُ منهم شيء.. حتى الأجنّة طالها غدرهم؛ أذكر تلك المرأة الحامل التي بقروا بطنها وتلذذوا بذبح جنينها …
رصاصاتي التي تعمّدت إطلاقها طائشة، تمنيت لو استقرّت في صدورهم ..
وها أنذا بعد محاولاتٍ عديدةٍ استطعت الهروب والوصول إليكم..
والآن ألتمس أن تصفحوا عني، وأعدكم بأن أكون جندياً وفياً لوطن المحبة سورية.. ونقاتل معاً هؤلاء الأغراب الشياطين.. منطلقين من هنا إلى رأسهم في بلدي فلسطين..
رَبَّتَ القائد – الذي كان يستمع مطمئناً- على كتفه.. وأمر بأن يُكرّم و يُعاد له سلاحه.

السابق
بَشَرٌ
التالي
قراءة نقدية في نص “صحوة”

اترك تعليقاً