القصة القصيرة

عذاب

يآه .. ! إن طرف العصى يَرُجُّ قبضتيه رجاً و يصب الفرح و النشوة في صدره صباً .. راح يرفع العصى عالياً و نظره يَرقُبُ ظهور السِنّارة الغارقة في مياه البحر ليرى أيّ صيد هذا الذي يتراقص بطرفها ..
_ يآه .. ! إنها سمكة كبيرة .. !
يُخَيَّل إليه و كأن قلبه يقفز من بين ضلوعه فرحاً .. يصرخ مُنادياً على عروسِه التي راحت تعدُّ له قهوة الصباح في خيمتها المضروبة على هذا الشاطئ الجميل لِيُجَلجِل صوته أرجاء الفضاء الفسيح ..
_ حبيبة .. حبيبة .. حبيبةةةةة … !
تقفز حبيبة كالسهم صوبه .. ترى سمكة كبيرة تتراقص بطرف سِنّارته .. تقف قبالتها تتأملها و شئ بداخلها يتراقص فَرَحاً .. تُراقصها تتلوى تماماً مثلها و إيقاعاً إيحائياً يشجيه و يشجيها، يدور حول نفسه و مازال يرفع العصى عالياً .. تدور معه عروسه ملاحقة بنظراتها السمكة و راقصة أجمل من تراقصها .. و مازال يدور حول نفسه بسرعة و يصرخ في الفضاء الفسيح.
_ حبيبة .. حبيبة .. حبيبةةةة .. !
حتى خُيِّل له أنه يطبر في الفضاء ليقبض على خيوط الشمس، يتأرجح بها كأطفال العيد ثم يهوي رويداً رويداً ليجد نفسه مازال قابضاً على عصى سِنّارته يدور حول نفسه و مازالت سمكته الكبيرة، تتراقص بطرفها و مازالت حبيبة تُراقصها ..
_ إنها وليمة غداء عظيمة يا حبيبة أليس كذلك ؟
و ينزل سِنّارته أرضاً لينقَضّ على سمكته يُخَلِّصها من الرأس المعدني المُدَبَّب .. يحملها .. يحضنها .. يُقَبِّلُها .. يركض بها على الشاطئ مُهَلِّلا فَرِحاً لتركض خلفه حبيبة .. يسقط وتسقط فوقه عروسه .. تنزلق السمكة من يديه .. يتدحرج و عروسه على الرمال المُبَلَّلة، ليجتاحهما الموج تارة و يغادرهما تارة .. ويأخذهما الغرام .. تقف حبيبة فجأة لتهرب من أحضانه مُداعِبة ليقفز راكضاً خلفها .. يسقطان في مياه البحر .. يُداعبها .. تُداعبه .. و تعلو صرخات الحب
مُهيمنة على أرجاء الفضاء الفسيح لهذا الشاطئ الجميل الخالي إلا منهما .. و فجأة .. يصرخان معاً مُتسائلين ..
_ السمكة .. !
يقفزان كالسهام و الماء يقطر منهما صوب الرمال ليقف هناك، صارخاً مُجلجلاً أركان الكون ..
_ السمكة .. السمكة .. السمكةةةة .. !
تعلو ضحكات و قهقهات حبيبة حتى تُعانق صرخاته في أعالي السماء، و مازال يصرخ و يعلو بصرخاته لِيصحو مُستيقظاً على صراخ، و توبيخ ذاك السجان الإسرائيلي اللعين و قد أطل عليه من فتحة باب زنزانته الإنفرادية اللعينة ..
_ أسكت .. ! لو صرخت مرة ثانية سأحطم رأسك .. خنزير ..
يعتدل جالساً على فِراشه القذر قاذفاً بِبطانيته اللعينة بعيداً عنه، يفرك وجهه بِراحتيه متسائلاً ..
_ أأصبح يوم جديد أم مازلت في اليوم الحادي و العشرين من الشهر الثالث للسنة السابعة فى هذه الزنزانة الإنفرادية اللعينة ؟
يآه ..كم أتوق لِأكَلِّم إنسان .. أسمع إنسان .. أخاف أن أنسى لغتي أو فن التعامُل أو فن الكلام .. أتوق للنظر لوجهي في مرآة .. !، كيف هي ملامحي .. ؟ أكاد أنساها .. !، و راح يتحسس تضاريس وجهه محاولاً رسم ملامحه في الخيال، عَلَّه يتذكرها .. هكذا .. لا لا بل هكذا .. إلى أن أخذه التثاؤب الشديد ليسقط على فِراشه نائماً، حالماً بقبضاتٍ تُحَطِّم أقفال زنزانته اللعينة و لقاءٍ بعروسِه حبيبة يرى ملامح وجهه في عينيها.

السابق
حسابات
التالي
كبرياء قلم

اترك تعليقاً