القصة القصيرة

عزف منفرد

فى بلاد بعيدة ..
بلاد دائمًا ما كان يلفها وابل من دخان أزرق قاتم ، و سيل من صراخات أطفال كالح لونها ..
كنت هناك …
و كانت خطواتى معظم الوقت وئـيدة و متباعدة المسافات و رتيبة .. تتقدم حينًا ، و أحيانًا أخرى تتقهر و تتراجع أكثر فأكثر إلى الخلف ..
لا أدرى لماذا ؟!.
ربما لأن لسانى كان هو الشفرة الحادة الوحيدة فى نسيج ثوبها المهلهل ..
أو لأنى كنت خارجًا توًّا من نتوءات حَوَارٍ مخنوقة داخل عشوائيات محاطة بأكوام (السباخ) و القمامة المخلوطة بعقول الأجيال الجديدة المنغمسة بعادات و تقاليد النخبة الحاكمة فى ظل قوانين سيئة السمعة …
أو ربما لأنى كنت الوحيد المطلع على عورات النساء و الرجال في تلك البلاد البعيدة !!..
لا أدرى بالضبط السبب ..
فالمواقيت هناك دائمًا ما كانت متداخلة .. و كذا الجهات الأصلية .. حتى المرايا التى كانت لامعة لزمن قريب .. فقدت وميضها المؤتلق ، و كذا خاصية انعكاس الصورة حتى البعد السابع ، و صار السير فى كل الاتجاهات مُرْتجًى لا رجوع منه يرتجى ، و أصحاب العقول النابهة فى تطوافهم الوبيل بعرض تلك البلاد و طولها يغلبه العقم
البليد .
عند هذا الحد أقلعت عن المحاورة حوار الطرشان .
ـ انزويت مرغمًا ـ
سكنت البرارى القفار قصرًا .. زاملت إناث الهوام هناك .. جذبتنى الصحارى بما فيها من مستقبل الأجيال القادمة كمأوى و ملاذ دون إرادة منى .
خاصة بعدما تحولت الضوارى الهتافة و المصفقة فى كل واد هنا و هناك إلى قطعان هائجة ، و من ثم تشرذمت فيما بينها ، و أضحت مخالبها كقطع اللبان اللينة ، و كأنها غمست فى جردل إسكافى مياهه باردة ، و صارت الأنياب البادية منها لعيون الناس لائحة .
فى حين كان حـدة إبصارها الجامدة مسلطة على حدقات عينى الوارمة من كثرة النواح المرير .. تلك النظرات كادت تعميها و تنزعها من محاجرها المتهالكة .. بينما كانت ساقيَّ العاريتان ما تزال تنزف الدماء منذ زمن المعز لدين الله الفاطمى .
و {بركة} الدماء الناشئة تطفو حينًا فوق سطح الرمال القائظة ، و حينًا ينحصر عنها المــدُّ الإنسانى ، و أسراب النمل الأسود تزحف ببطء تحت جلدى المهترئ .. تحيله إلى يباب .. رغم النداءات الخمسة تتصاعد فوق المآذن الشامخة ، و الأجراس الهادرة تصب تراتيلها فى كل بقعة من بقاع المعمورة تلهب الآذان ، و لكن الأسماع كأنها قد أصابها الصمم ، و أسراب {البوم النواحة} فوق الأغصان تشحذ سنابكها للوليمة القادمة .
بينما فتات لحمى الرخيص المرصوص فوق موائد العسس منذ اندثار عصر{صلاح الدين الايوبى} لا يكفى شهيتهم النهمة ..
غير أن حشرة الفراش لم تتركنى هانئًا لساعة من ليل أو نهار أنعم فيها بطلاقة فيض أحلامى الصغيرة .
***
بعد انتحار شعاع الصبح على أعتاب كومة الظلام القابعة بداخلى .. و التي امتنعت معها الديكة عن إطلاق صيحات الخلاص .. ارتجفت فرائصى رغمًا عنى .
عندها لمـلمت بقايا دمى المسال فوق الجدران المنهدمة من حولى و ارتحلت للداخل أكثر .. فتشت في كل الأرجاء عن مكان هادئ يضمنى ، و يضمد جراحى المتقيحة .
عبثًا حاولت العثور على فرجة أصعد منها إلى الضفاف الهانئة .. لم أجــد .. صعد لسانى للسماء بالبوح شاكيًا .
ما العيب إذن ؟
هل هو الزمان .. أم المكان ؟
أم هما الاثنان معًا ؟
ربما العيب عندى أنا ؟
مع أن الإيمان فرض عين .. و أنا مؤمن …
و الأنفس فى البدء خلقت حرة طليقة و على الفطرة السليمة ..
شىء ينخر فى لبابة عقلى .. أين الإجابة الشافية ؟
انتظرت للحظات .. كطول عمرى الممتد كله .
لم يأتِ الرَّد ..
هربت لمسافات أكثرعمقًا بداخلى .. بحثت عن بقايا قبس الضوء الهارب من قنديل أمى القديم ببيت أبى المهجور منذ حملة نابليون بونابرت .. فتشت فى التراب العالق بتمثال نهضة مصر .. رمقته جيدًا على مهل .. استلمته بشوق الطائعين .. لعقته حتى الثمالة .. تأكـدت أن كرات الدم الحمراء لم تزل حيّة بالداخل تجرى في عرق الحياة النابض .. لا ينقصها سوى معراج تعرج فيه .
حزمت أمـرى و لم أبتئس مما كان ..
شرعت فتح الأبواب و النوافذ المغلقة من حولى .
لم أجد من الأصل حوائطَ تلمّنى .
أطلقت للريح عزم فتوتى الكامنة في الركن المضىء بداخل تجويف عظمة الذراع منذ الأسرة السادسة .. أيقظت فيض أحلامى الصغيرة النائمة .. شددتها من مكامنها الناعسة .
كان الهاتف يصرخ من أعماق الأعماق .. لم لا ؟؟!!
لما لم أكن الحاكم بأمره ؟
فأنت وحدك مالك لزمام ذاتك ، و أنت الحالم الأقوى !.
لما لا تكون الحاكم الأصلح ؟!.
فلن تملك أعضاؤك التى بين جنبيك حق الاعتراض ..
فأنت الأصلح ، والأمر ملك يمينك !.
لم لا ؟!.
فأنت تملك تسييس ذاتك .. و يداك لم تقطع فيما قطع فى أعوام سابقة ، و الصرخات الهادرة الكامنة بفراغات صدرك لا يحدها اتساع البحار و لا المحيطات ، و حبل أفكارك الملتصق بجسدك المكدود لم تسرقه لصوص الملح المنتشرة في كل واد ، و لا هـواة السباب المنتشرون في القنوات الفضائية العاملة .. كما أن أعشـاش العصافير باقية فوق جذوع الشجر العطنة ، بالرغم من كثرة أنينها تحت وطأة سياط القمع و الدخلاء و من يدور فى فلكهم ، و كثرة بول الغربان الماجنة فوقها ، و جحافل السوس التى تـنخر دومًا فى جذوعها ، و كل قواعد العهد التليد .
– إذن لم يبق سوى القرار ، و البـِطـانة المعاونة .
***
صوت يهدرفى الوادي هنا و هناك ..
الصوت قريب من خشاش الأرض ، و عضو التنصت عندى يشغر صيوان الأذن .. أرى ذبذبات الصوت تهبط إلى باطن الوادي المتصدع بداخلى ، و فروع الأشجار الذابلة تنِخّ له إجلالًا و إكبارًا .. تتسلمه عن طيب خاطر و تسلمه مفاتيح البراعم الآتية ، و أمواج البحار المتلاطمة فى عنفوانها برحابة صدر ترد الصدى ــ تقدم يا فتى ــ
تقدم و انتصر للأحلام الصغيرة الكامنة بداخلك .
الأحلام تتهادى أمام ناظريَّ .. تـتدانى من قبضة يدى اليمنى عصاة الصولجان اللامعة و تقترب .. تقترب أكثر فأكثر .
ها هى أصبحت على مسافة هينة من طرف سبابتى المعطوبة .. تناولها يا فتى …
و لكن ..
بأىِّ حق ألتقطها ؟
صوت يهدر بداخلى متعارضًا بعضه مع بعض ..
أنت لها .. كلا .. لست لها .. بلى .. أنت لها .
يستقر الصوت قليلًا ..
أحزم أمرك يا فتى قبل فوات الأوان و التقطها بقلب الحالم ، و لوكنت تحتضر ..
يرتد الصوت من رحابة المدى بقدر شكايتى لله ..
التقطها يا فتى الفتيان بعقل الحالم المنتصر ..
يهتز كيانى .. كحبات مسبحة فى يد ناسك ساجد فى معبده .
ينطق لسان حالى ..
{أتلك هى المعضلة ؟} .
من أين تأتي القـدرة لمغلوب مثلى على الإمساك بعصا الصولجان و الفصل فى قضايا البشر .
ترتج قواعد الجدران المنهارة من حولى ، و تنقض بقايا أركان نفسى المتعبة لمجرد ورود فكرة الوالى و الولاية ،
فالجوعى من دود الأرض الشغال هم وحدهم الأجدر بحسابات الأعذار ، و أيادى الأحياء الموتى مثلى لا تفصل أبدًا يومًا فى أحوال من دفنوا أحياء فى طين الأرض المروى بعرقِ الفقراء و محدودى الحظ .
ينسلخ من بين الأوراق المحتضرة فى يديَّ صوت آخر ..
ــ صفحات الإعلان ــ
عليك بتصفح صفحات الإفساد على مدار نصف القرن الماضى .
دمعت عيناي الكحيلتان كثيرًا و لوقت إضافى طال زمانه من أول نظرة .
فأسماء النخبة و الحكام الفاسدين وحَوَاريِّيهم المرتشين و الانتهازيين التواقين لكل التشكيلات الدامية ، و المنغمسة أياديهم لما بعد المرفقين بدماء الشهداء من أبناء جلدتى تضيق بها المساحات المسموح بها للنشراليومى .
و أرصفة المدن الخانعة و الملطخة بدماء هؤلاء ، و المملؤة بالوصيفات الخائنات ، و البغايا النائحات النادبات لكل رذيلة تلوح .
فى حين أن آخر سطر بكل الصفحات المبتورة كان هناك على الدوام بقايا لحواريِّي يوسف و موسى و عيسى من عصر فرعون يرتقبون و يتوقون إلى سماع نصف نداء ينطق بالحق !.
إذن هــو النداء !.
(الصراخ هـو الحل) .
إذن عليك إطلاق النداء أو الصراخ و فقط ، و تصير الحالم الحق لطريق التغيير المنتظر !.
لم أنتظر كثيرًا لرجع الصدى .
قبل أن أستلم البوق و أطلق الندهة الصريحة .. صاحت الديكة فى أعشاشها ، و طارت ذكور الهوام من مكامنها تحمى إناثها .. احتلت كل النواصى المطلة على الميادين الفسيحة .. تهتف و تعلن لكل ذى اسم صريح .. طائعًا كان أو عاصيًا أن ينبش لبابة عقله الظاهر منه قبل الباطن ، و الكائن بـشارع فراغ نفسه التواق للخلاص المحتمل ، و يملأ استمارة الحق الإنسانى ، سواء كان راضيًا أو غير راض ، و ينضم إلى طابور الحالمين الصغار .. أو يرتد إلى نفسه الباكية إلى يوم الدين .
عند تطاير شرر صياح الديكة الفصيح لجو السماء السابعة ضربت أركان غرفتى الضيقة فى بيت أبى القديم عاصفة ترابية غطت توابعها وسادتى البالية بأكوام تهيئاتى و أحلامى السمجة .
فى حين كان ابن ابنتى يلهــو مستمتعًا ببقايا قصاصات أوراقى القديمة التى سهرت فيها ليال أرسم فيها ملامح وجه الحاكم الحالم المنتظر .

السابق
مهمّة في طريق غير سريع
التالي
قـلم أحـمر

اترك تعليقاً