انتفض قائما تاركا أوراق الجريدة تسقط من يده ولم يميز شعوره للحظة، فقد تضاربت الأحاسيس في قلبه والأفكار في رأسه… فقد قرأ للتو نعي غريمه الذي سلبه حب حياته ورفيقة دربه، في طريقه للجنازة تدافعت الذكريات متزاحمة لتذكره بما حاول إخفائه عن نفسه من قبل، لكن ها هي الأحداث تطفو وكأنها تحدث الأن:
كان غريمه والذى تجاوز الخمسين من عمره مازال يسكنه الطفل المدلل، فهو لا يقبل الرفض، فقد اعتاد أن يُشير فيُجاب طلبه، و تأخذه الحماسة ويشعلّه التحدي إن كان ما يريد في يدّ الأخرين، مُحبا للفخر والتباهي بالزينة وليس مُهما طبيعة ما يتزيّن به أو يفخر مادام يُشعره بالتفرّد والتفوّق.
لمحها، هام بها، أيقظت فيه غريزة حبّ التملّك ـ رُغم إنعكاس بريق خاتم الخطبة الذي في يدّها في بؤرة عينيه ـ ولم يتردّد، قدّم لها بريق ضُروب الإغراءات تارة ، وعصا سطوته ونفوذه تارة أخرى ـ فهي قالب شديد الامتياز يمكن بلمسة هنا وأخرى هناك أن تصبح فينوس العصر ـ رضخت … تزوجّها.
أرسلها إلى باريس ومعها قائمة بالهنات المطلوب العمل عليها ـ فهو خبير بالجمال والجميلات، ذو عين فاحصة وذائقة مدرّبة ـ ليحظى بها كاملة الجسد شديدة الصقل قبل أن يقربها ـ لمتعته وأيضًا لزينته ـ بعد أن تضاف لها اللمسات الإبداعية لجراحي التجميل الفرنسيين.
تزامنت عودتّها إلى أحضان الوطن مع عودته إلى أحضان أمّه الأرض!
في جنازته مرّ بها الآن حبيب الأمس، وقد ذهب يتحسس من أخبارها فعرفته وهو لها مُنكِر، وسرعان ما فضحتّها ابتسامتها له ـ والتي عشقها وكتب فيها القصائد المطولات غزلا ـ أحيت لديه الأمل في استرجاع حبّ عمرّه، الذي ظن أنه فقده بلا رجعة، لكن!، اجتاحته موجة من الحزن على التدمير الذي لحق بالنابضة في قلبه، المطبوعة في وجدانه، فعندما أرجع إليها البصر، ارتد إليه بصره خاسئا وهو حسير، حيث أصبحت منحوتة ثرية متلألأة شديدة الإبهار.
في طريق العودة، تأكد أنه قد دفن الفقيدين، حبّه القديم وزوجه.

أضف تعليقاً