القصة الفائزة بالمركز الاول في مسابقة القصة القصيرة العدد (1)
أسدل الليل خيامه على الكون ،و ظهر القمر عابسا من وراء السحب الكثيفة ينذر بليلة مشحونة شأنها شأن كل ليالي العهد الاستعماري،وما إن قارب الليل على الانتصاف حتى دوت صفارة الإنذار وهاج الخلق وماجوا ،وضجت السماء بأزيز الطائرات،ودبت على الأرض أسراب العساكر وبدأ إطلاق النار.
إنه الهجوم الثاني الذي تتعرض له ثكنة الرقيب توماس خلال هذا الأسبوع من قبل مجموعة المقاومة، استمر تبادل إطلاق النار مدة طويلة ،طارت رؤوس وتناثرت جثث وارتوت الأرض من الدماء فما استدلت أ هي دماء صاحب الحق أم دماء المغتصب! أما الذين لم تطلهم الرشاشات فقد لاذوا بالفرار إلا عمَر، شاب في الثلاثين من عمره انظم حديثا إلى المقاومة أحاطوه برشاشاتهم فاستسلم فجروه كالكلب إلى زنزانة عفنة مظلمة.في مكتب الرقيب توماس علا الصراخ حول الخسارة التي تكبدوها من جراء هجوم اليوم و تعالت التهديدات و الوعيد برد الصاع صاعين و بالتنكيل بالأسرى شر تنكيل. في اليوم الموالي كان الرقيب توماس على موعد مع أول جلسة مع الأسير عمر ، كانت جلسة مسالمة يسودها الحوار الماكر؛حيث حاول الرقيب زعزعةَ الوطنية بداخله و إغراءَه بكل الوسائل ليشي بمخبأ أفراد المقاومة؛لكن عمر ظل كالصخرة لا تهزه إغراءتهم ولا تهديداتهم. أدرك الرقيب الفرنسي انه لا فائدة من مواصلة الحوار لينتقل إلى أسلوبه المعتاد الذي يحبه و يتفنن فيه، فقد عرف عنه أنه من أشد الضباط صرامة و قسوة وأدهاهم، وكان يلقب في الوسط العسكري بالعقرب.لم يسلم عمر من لسعاته السامة لكنه صمد و لم يتزعزع عن موقفه الرافض ببيع وطنه.بعد أسبوع حافل بالتنكيل والضرب و جلسات الصعق بالكهرباء ،و بعدما شعروا بأن قواه خارت أذنوا له بأول جلسة علاج حرصا منهم على حياته أطول مدة ممكنة و إيمانا منهم أنه سيستسلم في النهاية ويعترف.
كان عمر في زنزانته المظلمة يتأوه و يتوجع من جراء كل تلك الجروح التي تملأ جسده و أنفاسه تتردد مجهدة،فجأة فتح الباب و دخلت شابة ترتدي بذلة بيضاء قصيرة تعلو ساقين طويلتين ناعمتين تحمل بيدها اليمنى حقيبة وفي يدها الأخرى مصباح ، كان عمر ممددا على الأرض وعندما شعر بالباب يفتح و بخطوات هادئة تقترب منه،فتح عينيه ،أزعجه وميض المصباح فأغلقهما بسرعة ظانا أن آلة الفتك عادت من جديد لتنهي ما بدأته في الصباح ،بصعوبة استطاع الإعتدال في جلسته و هو يلتقط أنفاسه شيئا فشيئا،نظر من جديد نحو هذا الزائر؛كانت الفتاة على بعد ياردات منه وقد جمعت قدميها و ألصقتهما ببعض وما لبث أن اقتربت منه بهدوء حتى حاول النفور منها لكنها جثت بقربه ،وضعت المصباح و الحقيبة على الأرض وقالت له بحنو: “أنا الطبيبة إيملي…و أنا هنا لأعالجك فهل تسمح لي…” خرجت الكلمات العربية من لسانها الفرنسي متلعثمة ملتوية ،أحسها عمر كلحن شادٍ أسكن المخاوف الهائجة ودون أن يهمس بكلمة سلم نفسه لهاتين اليدين الحريريتين وهاتين العينين الزرقاوين زرقة السماء في نهار رائق تنظرأن إليه بحنان كطفلة وجدت عصفورا جريحا على ناصية الطريق!استمرت تقوم بعملها في صمت، تمسح الدماء و تقطب الجروح و تعقم الخدوش.ٱثارت حالته المزرية الثورة بداخلها على هذه القسوة، لكن وطنيتها منعتها من التعبير عن استنكارها لهذه المعاملة.ظل عمر صامتا يراقب حركاتها الرشيقة و يستمتع برائحة عطرها الفرنسي الأخاذ و خصلات شعرها الأشقر ترشق صفحة وجهه فيشم فيه عبق المراعي.لاحظ على محياها استياء و لمس في نظراتها الشفقة على حاله لكنه فضل السكوت رغم انه يجيد اللغة الفرنسية. انتهت من عملها و بدأت تلملم أشياءها متأهبة للرحيل و قبل أن تغادر استرقت نظرة إلى وجهه فاصطدمت بعينيه تنظران إليها و كأنهما تستعطفانها أن تظل، أشاحت بوجهها عنه وغادرت في صمت.
توالت الأيام واستمر التعذيب بكل أنواعه،وعمر صامد لا يزلزله شيء عن إيمانه بقضيته،واستمرت الطبيبة إيملي تزوره في زنزانته كل يوم لتسعفه ،الرقيب توماس مصر على أن يمرغ أنفه في التراب،وكلما عاينت صموده و تفانيه ينكسر جزء من صورة وطنها التي رسمت ورسخت في ذهنها منذ الصغر،وتكونت لديها قناعة بقداسة هدفه و مصداقية قضيته وصار قلبها يدق دقات عنيفة متسارعة كلما حطت رحالها بزنزانته؛فذاك المخلوق الضعيف المنهك على الأرض تجده في ضعفه أقوى من كل الرجال..! تحول ذاك الشعور بالرأفة و الشفقة إلى شعور غريب أضحى ينمو بداخلها شيئا فشيئا ليتحول إلى حب و شغف. تعود عمر على رؤيتها بعد كل جلسة تنكيل فصار ينتظرها كل يوم بشغف كالمدمن ينتظر جرعة مخدر! في صمت حكيا كل عبارات العشق و بنظرات العيون تعانقا و فاضا بالمشاعر.و كلما هلت الطبيبة من باب الزنزانة تتحول جنة عطرة مبهجة و كلما غادرت تحس أن قلبها ينسلخ منها هاربا ليتوسد صدره و يتنفس بقربه. في الممر الطويل المؤدي إلى زنزانة قلبها النابض كانت إيميلي تمشي مطأطأة الرأس و قد سلبتها الخواطر الإحساس بالمكان أو الزمان حتى،فجأة استوقفها صوت أجش يصرخ داخل مكتب الرقيب و يضرب بعنف على المنضدة،توقفت تسترق السمع،اقتربت بضع خطوات من المكتب وتهادى إلى سمعها صوت الرقيب توماس و هو يحادث احدهم بدا من لكنته الفرنسية المتلعثمة وطريقته المطيعة المتذللة أنه أحد ”البياعة” من كلاب القرية التي تقبل الأيادي.استطرد هذا الأخير قائلا: ـ إنهم مرابطون في سفح الجبل و قد استطعت أن أتسلل بينهم، ما إن استطعت أن اعرف مخبأهم حتى طرت إليك سيدي لأخبرك.بدا صوت الرقيب منتشيا و هو يرد بهدوء: أحسنت…..أحسنت… وبعد فترة قصيرة من الصمت سمعت الطبيبة صوت رنين الكؤوس و هي تصطدم يبعضها، ثم انطلقت من الرقيب قهقهة عريضة أعقبها بقوله: ـ إذن لم نعد بحاجة لذلك النكرة عمر..سكت قليلا و هو يرتشف نبيذه و استطرد بلغة متهكمة: ـ سنعدمه غدا في الساحة ليكون عبرة لمن يعتبر.نزلت الكلمات الأخير كالصاعقة على إيميلي،و شعرت بقشعريرة باردة تعبر جسدها كشحنات كهربائية،تململت في مكانها لبرهة تسترد وعيها من وقع الصدمة ثم انطلقت كالسهم تخترق الهواء.
كان عمر واقفا يتوسط الزنزانة يتطلع إلي ضوء خافت ينبعث من ثقب في أقصى ركن الغرفة ،كان يشبه في بهتانه الأمل الذي يتعلق به للخروج من تلك الحفرة التي قبر فيها،الجو كان قابضا للصدر ،ثقيل الوطأة و الدقائق تمر متثاقلة تعصر الأعصاب عصرا،فجأة اندفع الباب بسرعة ودخلت الطبيبة إيميلي ممسكة بحقيبتها كالعادة،لكن وجهها لم يكن كالعادة مبتهجا مبتسما،بدت شاحبة و قد امتقع لونها ومال إلى الصفرة،تقبض يديها في محاولة لضبط مشاعرها،وقفت في مكانها إلى أن فرغ الحارس من فك قيود عمر الذي علق ناظريه بوجهها وقد أحس أنها على غير عادتها.بعدما انصرف الحارس انطلقت من إيميلي زفرة كبيرة كأنها عبرت مدينة الأشباح ! وهرعت إلى عمر و بقوة لفته بذراعيها الناعمتين و انتابتها نوبة نحيب و بكاء، بدا عمر مندهشا، منتشيا وما انفك حتى غمرها بذراعيه القويتين و ضمها بشدة إليه و شعر بجسدها يرتعش في حضنه، وبقلبها يدق دقات قوية تتناغم مع دقات قلبه المفعم بالشوق لها؛دفء حضنها أعاد الحياة إلى جسمه المنهوك من التعذيب وإلى روحه الذابلة من الانتظار لهذا الاتحاد.كأن الزمن توقف و العالم خلا من سكانه ولا وجود إلا لقلبه و قلبها ينبضان معا،يتعانقان و يبوحان بالمكنون،لم يدر سبب بكائها و لم يسأل واكتفى بالصمت و هو يمرر يده بحنو على شعرها الأملس، اندفعت الدماء في الشرايين كسيول البركان المنفجر و انتفضت الأحاسيس الجياشة من عتمة المنفى! حين شعر بشفتيها و هي تطبع قبلة حارة على خده، وشعر بالدم يندفع إلى وجنتيه بسرعة وبحلقه قد جف؛ عقد لسانه و لم يقو أن يقول كلمة أمام عينيها المغرورقتين بالدموع و هما تتطلعان إليه بحنان زائد.مرت دقائق غارقة في ماء الجفون قبل أن يستجمع عمر قواه التي ذابت من وقع هذا الصدام العاطفي الحميمي الذي في قرارة نفسه لم يرده أن ينتهي، اقترب منها وأمسك صفحة وجهها بكفيه وتساءل: ـ لما تبكين؟ما الخطب؟ هل سيمنعونك من زيارتي؟ انفجرت إيميلي من جديد بالبكاء وابتعدت وانزوت في ركن من الزنزانة،استندت الحائط و أطرقت مهمومة و لم ترد على تساؤله، زادت حيرة عمر وطافت به خواطر سوداوية أفقدته طعم القبلة التي مازال أثرها عالقا بخده، اقترب منها من جديد و عاد يسألها: ـ إيميلي أرجوك اخبريني ماذا حصل، إن قلبي يحترق ولا أحتمل الدمع في عينيك حبا بالله اخبرني ما الخطب….لم تتمالك الفتاة نفسها و صرخت بحرقة في وجهه:
ـ سيقتلونك….
…. بدا عمر غير متفاجئ و لمست في عينيه صمود الرجال العظماء بل وارتسمت ابتسامة رقيقة على وجهه و قال لها بهدوء: إن كان العذاب من أجل وطني فسأظل كالنار أقول هل من مزيد وإن كان الموت فسأسعد أن أكون شهيدا، شعرت بكلماته تذبحها حتى الوريد وقالت والمرارة تتآكلها: ـ أ لا تعبأ بي ألا تدري أن عذابك من عذابي و إن كنت لا ترفق بنفسك فرفقا بي….تغيرت ملامح وجهها الهادئ و قالت بغضب: ـ ألا تحس بقلبي يحترق كلما وقع ناظري على وجهك المدمى في كل يوم ازور فيه زنزانتك الموحشة،فقال لها و الابتسامة لا تفارق محياه: ـ ألا تدرين أن هاته الزنزانة الموحشة تصير جنة كلما وطأت قدماك أرضيتها،عيناك بحر و حبك زورقي ألا تدرين أنك دافع آخر يحثني على الصمود….صمت قليلا ثم استطرد وهو يمسك بيديها: ـ في عينيك أجد الصبر و السلوان و بين يديك الدواء..وطني هدفي و غايتي ووطنك المشنقة..أنا لن أبيع وطني ولن أبيع حبك فكلاهما محرقة..! الكلمات تتزاحم على شفتيها لكنها لم تجد القوة لتخبره أن هناك من باع هذا الوطن بحفنة دراهم! خافت أن تكسر ذلك الاعتزاز الذي الذي يلمع في عينيه و هو يتحدث عن و طنه لكن الحقيقة المرة تلح عليها و بعدما استجمعت الفتاة قواها ومسحت دموعها، قالت محاولة تخفيف وطأة الخبر : ـ لقد سمعت اليوم بعض العساكر يتحدثون على أنهم….صمت قليلا وهي تلوي خاتمها في أصبعها من دون وعي وتبحث في قاموسها عن كلمات أقل وقعا، ثم واصلت كلامها بعد ما أحست القلق في عيني عمر الذي يقف على بعد خطوات منها منتظرا و مراقبا و في خاطره ألف سؤال و في قلبه جذوة نار بدأت تشتعل: ـ آه….يريدون استكشاف سفح الجبل.. انتفض عمر وقد علته مسحة من الدهشة و قد اتسعت عيناه وظهر عليه القلق وراح يتمم بكلمات غير مفهومة و يذرع في الزنزانة جيئة و ذهابا؛كانت ايميلي تعرف السبب لكنها تظاهرت بالجهل ،انزوت في أقصى الزنزانة تسترق النظر إليه و تراقبه في قلق.عمر كان يغلي من الداخل؛ أفراد المقاومة في خطر في سفح الجبل وأكيد إن لم يحذرهم احد سيفتكون بهم،هاته الجدران الصلبة تقيده لا سبيل للخروج ماذا سيفعل ،عجزه يفتك بأعصابه،انتابته نوبة غضب فراح يضرب براحتي يده على هاته الحيطان التي تكبله ويردد بحرقة : اللعنة….اللعنة…انتهينا…ثم خار على الأرض يبكي متحسرا وإيميلي تحترق وهي تنظر إلى حاله وتعاين خوفه على رفقائه و يأسه المميت ،و الأمرّ أن السبب وطنها المستعمر،أحست أنها السبب بشكل أو بأخر.سادت فترة من الصمت،عمر جالس على الأرض مطرق الرأس يتوجع و يتحاشى النظر إلى الطبيبة،في حين كانت هي تقلب في رأسها فكرة خطرت عليها لم تتردد لوهلة في تنفيذها وما إن رتبت أفكارها حتى اقتربت من عمر الذي نسي وجودها للحظات و هو يفكر في مصير أصدقائه في المقاومة،جثت إلى جانبه واضعة يدها عل كتفه ثم قالت بحزم: ـ عمر أنا أومن بقضيتك و أومن بك لهذا سأساعدك على الهروب من هنا.. التفت إليها عمر و قد أعادت إلى وجهه الحياة ثم قال متلهفا: ـ أهرب…لكن كيف و متى..؟ بنفس النبرة الحازمة ردت إيميلي: ـ هذا المساء و أنا لدي خطة ….قبل أن تكمل كلامها سمعت الحارس يفتح الباب فانتفضت من مكانها واقفة و تظاهرت بحمل حقيبتها أشار الحارس إلى الطبيبة أنها حان وقت رحيلها؛ رسمت ابتسامة فاترة على وجهها و أجابته بأنها على أهبة الرحيل وقبل أن تغادر همست لعمر…انتظرني…
.. بسرعة حل الليل الكئيب، تلكأت إيميلي في عيادتها متظاهرة بالإهتمام ببعض المرضى وأقنعت النقيب أنها ستسهر لأجلهم ؛ انتصف الليل ومعه صمت رهيب يسود الثكنة و الكل يغط في نوم عميق ،تسللت إلى الداخل دون أن يلحظها أحد وما إن اقتربت من الزنزانة حتى ظهر لها الحارس ودون أن يظهر على محياها أي ارتباك أقنعته انه نسيت شيئا خاصا بها في الزنزانة و طلبت منه أن يبحث عنه و ما أن استدار الحارس ليفتح الباب حتى باغتته بحقنة مخدرة في الشق الأيمن من رقبته ،فما انفك يقاوم حتى خر مغمى عليه، تناولت المفاتيح بسرعة و خرج الاثنان ممسكان بيدي بعضهما،يجريان عبر مسارب ضيقة و مظلمة إلى أن انتهى بهما المطاف إلى نافذة تطل على التلال حيث لا جنود و لا حراسة،توقفا يلتقطان أنفاسهما ،وينظران إلى بعضيهما بصمت ، حلت الدموع بالجفون مودعة تعلن عن نهاية الرحلة فلا يمكنها أن ترافقه ،لن ترضى أن تكون المسدس المصوب نحو رأسه في كل لحظة،وهو يدري انه لا يمكن أن يصطحبها معه فأمامه قضية تحتم عليه المضي وحده و وطن ينتظره أن ينتشله من تحت أقدام وطنها. رحل عمر و توقفت ايميلي ترقبه و هو يتوارى وراء التلال أدركت أنها ودعت حلمها لكنها ستحتفظ برماده في قلبها إلى الموت، لقد أطلقت قلبه من القفص وأطلقت معه قلبها الذي أخفته في قلبه.