القصة القصيرة

نيبيرو

طوال الليل وهو يبحث عن أخبار الكون والعالم، ويستمع إلى لغط متواصل من محطات الإذاعة وما تبثّه القنوات، من مشاكل وأزمات. سمع بأن حرباً ثالثة ستقع، لا أحّد يعرف هل هي ساخنة أم باردة، جافّة أم رطبة! لكنّها حتما ستكون خاطفة مثل وجبة غذائية سريعة ودسمة. هناك من يتحدّث عن اصطدام نيبيرو أو (الكوكبX) بالأرض وتدميرها. وحديث آخر عن هروب الناس من الأرض للسكن في الفضاء! سمع من الأخبار والتنبؤات ما هو قريب الشبه بالشائعات ، ولا يمكن للعقل تصديقه، كخبر نهاية العالم! ولكثرة عدد القنوات الفضائية والمحطات، ازداد حجم تداول هكذا أخبار، وأخذت تنتشر بسرعة بين عامة الناس، وحتى بين بعض المقربين من الجهات العليا في البلد. بسبب ذلك كلّه، لحقه السأم وأصابته كآبة حادّة، وشعر بأن الحياة أصبحت عبئًا ثقيلا عليه. وهكذا ظلّ يفكّر بهذا الموضوع حتى صار يظهر له في أحلامه الليليةً وأحلام يقظته. البارحة لم ينم ليلته حتى ساعة متأخرة، لم يفتح خلالها محطّة تليفزيونية أو إذاعية كعادته يوميا. لذلك وجد إنه قد هدأ نوعما وصفا ذهنه. وكالحالم نهض متأخرًا ورأى نفسه لا يشبه حقيقته في الواقع. كان كمن غُمّ عليه، وأُغلقتْ فتحات أنفه. لم يتصّور كيف بقيَ حيًّا في أثناء الليل، وهو على هذه الحال! شعر بانّه يختنق، ولم يعد لحاسّة الشّم لديه فعّالية واضحة، لم يشمَّ الّروائح الّطيبة أو الكريهة، التي تمرّ على انْفه يومياً. تذكّر جاره المزعج ومشكلة الطفح في مجاري بيته وانتشار الّروائح الخانقة منها خلال الليل. كان جاره لا يسمح لأحّد أن يتحدّث معه حول موضوع الّرائحة تلك. والأكثر غرابة، إنّه لا يستحي من أنكار وجودها كلّما الّح عليه أحدٌ بالسؤال. تابع شهيقه أوْلَ بأول. تنفَّس ببطء. سحبَ تيارًا من الهواء إلى رئتيه. سمعَ في أثناء ذلك صوتًا يماثلُ صوت انزلاق عجلات. لاحظ بأنّ جانبَ خدّهِ الأيسر يؤلمه قليلا، وانّ صيوان أذنه يخرجُ صفيرا على غير عادته. كتلة هواء الشهيق التي دخلتْ رئتيه، تبدو محاصرةً هناك. شعرَ بانّ الهواء الداخل إلى رئتيه، ليس مريحًا بالمرّة، كأنه يسير بين ممرّات ضّيقة وخانقة. لا بدَّ ان عملية التنفس قذ توقّفت الآن أو تغيّرت آليتها. وجد نفسه كأنّه يتنفَّس من أذنه اليسرى، وكانت اليمنى قد أصمّتها الاخبار المتكررة وزعيق الوكالات، بشكل تام. ذهلَ وحاولَ التأكّد فورًا مما حصل، لم يدرك كيف انِّ أذنه اليسرى الوحيدة، تحوّرت إلى وظيفة أخرى جديدة! قال في سرّه: “شيء غير معقول أن يحدث لي كلّ هذا! ” كان يقارن بين ما يبدو له من أعّراض وبين وعيه بها. أطْبق بباطن كفّه على أذنه، تحسّس هواءَ الشهيق وهو يمرّ قويًّا بين أصابعه. ولأنه لا يدري ماذا يفعل، ظلّ ينتظر هكذا حتى عودة الزفير. لكنّ الزفير تأخّر عليه طويلا، قبل أن يعود متسللًا عبر الصيوان. اختلط عليه الأمر، وأقّلقه هذا التغيّر المفاجئ والغريب. تذكّر المدرّس العبّقري الذي كان يلمّ بمواضيع علم الوظائف، مثيرا الكثير من الرعب بين الطلاب بسبب هذه الافتراضات. كان الوحيد الذي يَنصِتَ إليه ويشدّه ما يقول. مما جعله ينظر إلى ما حصل بشيء من الرضا والمقبولية. لكن ما أفزعه أنه وجد نفسه يعيش فعلاً حالة من التحول الذي يحتاج إلى ملايين السنين. مستبعداً أن تكون هذه الحالة تشبه ما حصل لابطال بعض الروايات التي اطلع عليها، كرواية المسخ أو الرجل الصرصار “سامسا” الذي استيقَظ ذات صباح ليجد أنّه قد تحوّل لحشرة عملاقة. ً حرك يديه ومدّد قدميه على طولهما، بصورة لا إرادية. تحسّس أنفه وأضلاعه ثم تنهّد بعمق: ” لا أريد أن أكون حشرة “. حاول أن ينسى كل الأعراض والأوهام ويهملها ليستمع إلى موسيقى هادئة، لكنّ سؤالا مهمًا، هو الأكثر تعقيدًا، استوقفه: “كيف يمكنني أن أستغني عن أنفي الوحيد هكذا من دون فائدة؟ ” ثم تذكّر فورًا حلمتي الصدر، الزّائدة الدودية، الجّيوب الأنفية، عضلات الأذن. تذكّر كذلك فزّاع الطيور المغروس في الأراضي الزراعية، في المساحات البعيدة. وهمس مع نفسه: “لكنّ لفزّاع الطيور فائدة أفضل من أنفي وحلمتي صدري! ” سرتْ في جسمه حمّى مفاجئة، وشعر بنفسه يهذي لوحده، يسأل ويجيب، لكنّه مع كل ذلك، كان يدرك بأن ما يحصل ليس بإرادته وحسب رغبته، وأن احتمالات التغيير واردة وربما ضرورية قبل أن يصطدم نيبيرو بالأرض ويقضى على جميع سكانها. شعر بحاجته إلى معلومات عن نهاية الأرض، اصطدام الكويكبات القريبة بها، ودور علماء الفضاء في تجنيب المخاطر وهلاك البشر. توجّه إلى رفّ الكتب، انزل عددا منها لعلّه يجد فيها ضالته. إلا أنه كلما فتح كتابًا، وجد بين دفّتيه عقربًا صغيرًا، لم يخف أو يرتعب، بل: ابتسم.وضحك. وراح يجمع تلك العقارب ويخرجها من الكتب، أو يبعد الكتب المعقربة عنها استعداداً لحرقها في مكبّ النفايات خارج المنزل. بعد ذلك، نقل سرير نومه إلى غرفة المكتبة بين الكتب، بعيدا عن صالة التلفاز وأجهزة البث الإذاعي والاليكتروني. وظلّ هكذا هادئًا مسترخيًا في مكانه الجديد، لم يسمع صوتا أو هراء لقناة أو محطة إذاعية!

السابق
انبعاث
التالي
قراءة في نص “نيبيرو”

اترك تعليقاً