تكتكة خرزات المسبحة تصاحب تمتمات حنان وأدعيتها:
السلام عليك يا مريم
يا ممتلئة نعمة
الرب معك مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك سيدنا يسوع عليه السلام.
تتوقف حركة التسبيح ..أعرفُ ذلك حين لا أسمع طقطقتها ، تحدق في الطفل المستلقي على السرير ، الذي هو أنا ..مجد
لا شيء أجمل من أن تمنحك الحياة شخصا يهتم بك أكثر من نفسه ..ومن عساه يكون هذا الشخص ؟ إنها امي.
أحببت هذه الغرفة لأنٌ شباكها يطل على البحر أستطيع مراقبة السفن وأن أتسلى قليلا بحركة الموج الراقص مع الريح إزو الهارب من تحت بطون السفن السابحة بعزم وقوة.
نسيم عليل يهب استمتع به للمرة الاولى منذ ثلاثة أيام قضيتها مستلقِ على ظهري .أحاول تجاهل غرفتي المعتمة أمام سطوع الشمس في الخارج ،هنا على قطعة الرخام العريضة على الشرفة أستطيع أن أجلس طويلا ..قطعة الرخام هي ملاذي حين أتامل البحر والشارع والمارة من مكاني في الطابق السابع..
اشتقت للجلوس وتنَشٌُق رائحة البحر في خليج حيفا.
– مجد يا بنَيٌ كم أحبك أيها العشب الناعم الطري ..تنحني أمام ريح الألم ولكنك لا تنكسر
انتهت أكياس العلاج يا مجد الشجاع المنتصر
كانت أمي تتحدث متظاهرة برباطة الجأش لكنها تُسارع بين العبارات إلى مسح دموعها وتتظاهر بأنها تنظفها من الغبار ..لكنني كنت أعلم انها كانت تبكي ..الدموع ليست قطرات تسقط من العين بل هي كلمات من الصعب أن يفهمها كل واحد أو يقرأ معانيها.
إن أمي قد بكت حين كانوا يعلقون الأكياس ويمُدٌون الأنبوب في جسمي ..وتبدا تلك الأكياس بالتنقيط في شراييني منذ الصباح الباكر حتى ساعات المساء وتحديدا الخامسة . تَحضٌر الممرضة أو الممرض لإزالتها مُؤقتا
كنت أشبه بشمعة تنطفئ خاصة الساعة الأخيرة فتخور قواي وأكون قد أُرهقتُ تماما . وفي هذه الساعات كثيرا ما كان العم محمد يأتي لتنظيف الغرفة ولكن قبل أن يشرع بذلك لا بد من وصلة فرفشة ولعب وإيقاع على الدربكة التي يحضرها معه خصيصا لإسعادنا نحن المرضى ولإدخال السرور إلى قلوبنا …كم كنت أشعر بالسعادة حين يأتي ويغني ويبتسم ما اروع هذا الرجل الذي تجاوز الخمسين لكنه محب مرح .وكثيرا ما طلبت منه البقاء معي وقد زودني برقم هاتفه وكنا نتحدث وأساله إن كان سياتي أم لا
اليوم سنعود إلى البيت بعد وجبة العلاج الأولى التي استمرت ثلاثة أيام. ..
أنا وأمي لقد اشتقت للكلب روك الذي أحببته كثيرا حين وجدته في الشارع جروا لا يتعدى عمره الشهر . كان بحجم قط صغير اما اليوم فهو بحجم عنزة كبيرة !!
هو يبقى في الطابق السفلي ممنوع حسب تعليمات أمي الصارمة أن اقترب منه ليس لأنه حيوان لكن ممنوع أن يقترب مني أي شخص ولا إخوتي حتى لا أفقد المناعة لدي ..فهي ضعيفة جدا.
الوقاية مثل العلاج وأهم ..هكذا ردٌَدَت أمي التي كانت تصطحبني إلى اقاربنا، عماتي و أعمامي وخالاتي وأخوالي وجدٌاي ..لكنها طلبت بكل صراحة عدم زيارتي في المنزل.
هم يحبٌونَنا كثيرا وعلاقة ادأمي باهل زوجها طيبة جدا وأبي ايضا يرحب بالجميع الذين تعلٌقوا بأسرتنا
كانت تلك الليلة التي لن نتساها في حياتنا أنا وأمي وأقاربنا ..كنا نحتفل بزفاف بنت عمي ، الجميع فرحون والموسيقى تصدح واذا بنعيق الخبر ينزل علينا كالصاعقة …بعد اثنا عشر يوما من الانتظار والترَقُب كان الجواب بأنني مريضُ بالسرطان.
بكى الجميع وتحوٌل الفرح إلى ما يشبه المأتم، وأكثر ما لفت نظري وطمأنني هي أمي الصابرة القوية التي قالت بكل شجاعة:
أنا مؤمنة بالله وسيدنا يسوع المسيح وابني سيُشفى بإذنه تعالى قالتها أمي عدة مرات وردٌَدَت على مسامعي :
ستهزم هذا المرض يا بني وستنتصر عليه …أُؤكد لك أن داخلي طمأنينة تقول أنه سيغادرك هذا المرض .إنه ابتلاء من رب العالمين .
صحيح أن نتيجة الفحوصات متفجرة تناثرت شظاياها على جميع الأقارب وأهل القرية، لكن هذا لم يفت من عزم امي وادأنا أثق بما تقوله .
البداية __
كانت أمي على ثقة بأن مرضي ليس إنفلونزا كما شخصها الطبيب الذي أعطاني مضاد حيوي ضد الالتهاب ..وشربته بكامله ولم تختف الدرنة في عنقي ..بل ازدادت انتفاخا ، وهنا أرسلني الطبيب إلى المختبر الطبي لإجراء الفحوصات ولا أُخفي عليكم أن أمي ضغطت عليه .
هناك …
أي في المستشفى أكد الطبيب أنها الغدد اللمفاوية ، وأنا لا أعرف ما يعني ذلك ولا امي ولا ابي الذي رافقنا، ولكن يبدو الأمر صعبا خاصة حين قال الطبيب: أن الشفاء يحتاج منا إلى الكثير من الصبر وتنفيذ التعليمات ..اصطحبني الطبيب إلى غرفته.
هناك كان أكثر من عشرة أطباء أخذوا يتحدثون مع بعضهم دون أن افهم كلمة واحدة مما يقولون وقد انشغلتُ باللهو مع المهرج الذي حضر ادإلى ذلك القسم وشارك في اللعب الكثير من الاطفال في سني وأصغر وأكبر أيضا.
في طريق عودتنا إلى البيت كانت أمي تقود السيارة كأنها ثملة أو مصابه بالدوخة وأبي صامت إلى جانبها بعينين حمراوين من النعاس وقد فضٌل أن تقوم أمي بالقيادة، ما بالها شاردة الذهن ؟ إنها أجمل بكثيرٍِ مما هي الآن ..
عليكم الحضور إلى المستشفى رجاء عدم التأخير . هكذا اخبرت الطبيبة أظمي التي ردت على الهاتف ، وكم ذهلتُ حين صعدنا إلى الدور السابع ..وقد رأيت جميع من فيه من مرضى في مثل عمري قد حلقوا شعر رؤوسهم وبدت وجوههم صفراء كأنهم لم يناموا منذ شهر وسألت أمي : أمي هل هم مصابون بالسرطان ؟
إن اكثر الأمور صعوبة وارهاقا للنفس هو كتمان ما نحن بحاجة للبوح به ، نظرت إلى أمي التي بدت كأن دلو ماء باردٍ إندلق عليها في يوم ماطر بارد ، كانت ترتجف وقد جحظت عيناها الجميلتان وأبي كان يشُد علي يدها لكن أسنانه تصطك ، تماسك والدايَ وهما يرميان بأنفسهما على كرسيٌين في مكتب الطبيبة التي استدعتهما لجلسة.
في طريق العودة مع ابي وهو يقود السيارة كانت امي تدعو الله أن يسهل زياراتنا إلى المستشفى لأنني سأبدأ بجلسات العلاج الكيماوي ، فهي تجد صعوبة في قيادة السيارة حين تكون متعبة وأبي لم يعد بمقدوره التغيب أكثر من عدة مرات رافقنا فيها أثناء الفحوصات فهو مدير عمل ولديه أعمال وورشات عليه تسليمها الى أصحابها في الوقت المحدد كما أن كثرة غيابه ليست في مصلحة البيت لأن المصاريف قد ازدادت فطلبت منه أمي عدة مرات إلى أن اقتنع بالعودة إلى العمل

الله القدير لا يتخلى عنا .___
كانت شركة سكة الحديد قد بدأت مد خط من مدينة عكا ويمر من جانب قريتنا المغار إلى المستشفى مباشرة ولم نكن نمشي إلا بضع خطوات.
لحسن الحظ انتهى بناء السكة وأعلنت الشركة عن منح الجمهور بطاقات سفر مجٌاني لمدة ثلاثة أشهر ..ما الذي نريده أكثر من هكذا تسهيل ؟ السكة قريبة توصل إلى المستشفى والسفر مجاني لن يرهق جيبتنا والأهم أنني أحببت السفر في القطار لأنه لا يهتز ولا يترجرج مثل السيارة وقد كنت أشعر أنها تخُضٌني خضا فأصاب بالغثيان وأتقيأ ..عدا عن التعب وإشارات المرور والاختناقات المرورية . كل هذه الأمور اختفت بتنقُلنا في القطار .
حمدت أمي الله وشكرته لأن هذا من تسهيله عز وجل .
كنت أصل بكامل وعيي إلى البيت وقد ارتحت من مطبٌات الشوارع .
وقد انتهت مهلة السفر المجاني بالقطار في يومي الأخير في العلاج !
بعد أن استمر علاجي ثلاثة اشهر.
لم تنقطع صلوات أمي فكانت تزور الكنيسة ثلاث مرات أسبوعيا الأحد والثلاثاء والخميس . وكنت احب مرافقتها حين لا أكون في العلاج أذهب معها فتحيطني بكل حب …حقا أن الحياة ليست أشخاص فقط بل إنه يوجد أشخاص هم الحياة بالنسبة لنا.
إننا نستطيع شراء كل شيء الا الصحة والسلامة، هكذا رددت امي لو كان بالمال لفديت ابني مجد بكل ما أملك لكن العافية حافظوا عليها. تجلس أمي في البيت تحيطني برعايتها وتضرب الحصار حولي حتى لا يقترب الزائرون مني.
كنا نوقد شمعة في الكنيسة وتظل أمي تردد بعد الصلاة :
” يا رب هالكلمة لمٌا بقولها شو برتاح كأنه جبل وانزاح عن كتفي إن شاء الله تنقلب أحزاني أفراح يا حبيبي ويتكلل صبري وجهدي بالنجاح وتشفى يا مجد ”
هذه بعض العبارات التي كتبتها أمي على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي وعلى دفتر مذكراتها. وظلت تؤكد كما أكدت منذ زيارتنا الأولى للمستشفى بأن وضعي ليس خطيرا
كنت أتناول أربع حبات من الدواء وعمي يصلب على وجهه داعيا لي بالسلامة فهو يحبني لكنني اشعر بالضغط وهو يلح علي : اشرب ، اشرب يا بني، أنا كنت أريدهم أن يخرجوا من الغرفة لأتناوله وحدي دون أن يحدقوا بي وخاصة تلك الحبة الزهرية اللون انها كبيرة لها مذاق سيء قامت الطبيبة باستبدالها باربع حبات ووافقت لأنني كدت أختنق بالحبة الزهرية ، الحبوب البيضاء لا طعم لها ولا رائحة أتناولها بهدوء.
كنت أبدأ بمناجاة السيدة : يا عذراء ، يا عذراء ساعديني .جلبت أمي زيت زيتون قد قراوا عليه من الكاهن مار شربل، وقد أحضرته جدتي وأضاءت لي الشموع في الكنيسة ودعتني إلى هناك، صلوات وقراءات وابتهالات ودهنت أمي مكان الدرنة المتورمة في عنقي بالزيت المبارك وهي تدعو بكل ما اوتيت من رجاء حتى انقطاع الأنفاس بأن يشفيني الله.
تسيل دموعي من شدة الألم وتبكي أمي بصمت متعلقة بإيمانها المطلق بالخالق وتستعيد بعض الهدوء حين يمنحنا الأطباء بعض الأمل والطمأنينة بحديثهم العذب وتفاعلهم مع الامي وآمال أمي .
لقد فوجئت الطبيبة “شافيرا” التي احببتها كثيرا وهي تراني أنهي آخر جلسات العلاج ومسحت على رأسي بمودة وحنان وهي تقول لي : ستحيا الحياة التي تريدها بفضل شجاعتك وبفضل أمك .. إنها بستان أزاهير ورياحين مغروس في صدرك يا مجد .
نعم … صحيح أن الحياة ليست الأشخاص والناس فقط ولكن هنالك أشخاص هم الحياة لنا .

بداية الكيماوي
إن أسوا ما شاهدته كان حين استيقظت من النوم ووجدت شعري منثورا على الوسادة في المستشفى .. تضايقتُ قليلا ثم تذكرت أن إحدى المريضات التي كانت تأتي للعلاج وكنا كثيرا ما نقضي معا بعض الأوقات في المستشفى، قالت أنه ينمو ثانية . إذن لن أعيش أصلعا .. كان شعري جميلا أشقرا يختلط به بعض السواد وقد أخذ يصبح غامق اللون بسبب كثرة قصه كما أخبرتني أمي وهي تترك الإنجيل من يدها وتشرح بهدوء وهي تبتسم : طيب ومالو الأصلع ؟
كنت اشعر بسكاكين تنغرز في لحمي من شدة الألم لكنني أردت أن أُظهر لأمي بعض الهدوء، فقمت باقتلاع خصلة من شعري وإذا بها شقراء وقدمتها لها قائلا : هذه وردة شقراء لك …
ضحكت أمي وهي تحتفظ بالخصلة في منديل ورقي وعاجلتُها بخصلة أخرى وكانت سوداء وأعطيتها إياها وأنا أنظر في عينيها:
وهذه وردة سوداء.
فشكرتني على جمال الورد ! وتشمٌَمَت خصلة الشعر وهي تقول : كان شعرك أصفرا كسنابل قمح
وفي الصباح الباكر كنت أصر على حلاقة شعري على الزيرو .. أي ع الصلعة تماما وخرجت بعدما القيت بما تبقى من شعري في أرضية الحمام والجميل أنني قد كسبت شعرا أكثر نعومة منه حين تعافيتُ وانتهى العلاج. حين رآني اخوتي أصلعا، ويبدو أنهم لاحظوا اصفرار وجهي كما لاحظتُ أنا وجوه المرضى حين زرتُ القسم لأول مرة وسألتُ أمي هل هم مرضى سرطان يا أمي ؟
يبدو أن الوجه يتغير . لهذا تشرح لي أمي دائما بأن كل شيء سيتغير وسيعود أجمل حال انتهاء العلاج
بكى اخوتي لدى سماعهم نبا مرضي وحزنوا حين شاهدوا صلعتي لكنني لم أنفعل كثيرا وتهيأت للذهاب الى المدرسة غير مهتم لشكلي، بل إنني على ثقة أنه مرض سيزول. لكن أحد زملائي في الصف جرحني بكلمة : هيه أيها الأصلع، وقد غضبت كثيرا فلو انه يعرف سبب صلعي لما تفوٌَه بهذا الكلام وما كان مني إلا أن لكمته بقبضتي فوقع أرضا واشتكى للمدير الذي استدعاني ووالدَيٌَ وفي هذا اليوم فقط عرف المعلمون والجميع بمرضي فتغيرت معاملتهم لي وازداد اهتمامهم وعنايتهم بي .أما اكثر ما أحببته في ذلك اليوم هو ذلك الطبق الشهي من التبولة وفرحت كثيرا بأن الطبيب أوصى أمي بأن أتناول الكثير من الخضار وخاصة التبولة التي أعشقها . وقد تخصصت عمتي بإحضارها دائما.

بيتنا العامر
بيتنا لا يخلو من الزوار فنحن اسرة محبوبة لها صلات طيبة مع جميع افراد عائلتنا من عمات وأعمام وأخوال وخالات وبيتنا هو بيت الجد والجدة اي ملتقى العائلة ، تستقبل امي جميع الضيوف بصدر رحب في جميع الايام لكنها أثناء مرضي سنٌَت قوانينها الحازمة بان تكون الزيارات أثناء تواجدي في المستشفى .
أما أيام وجودي فعلى الجميع التزام غرفة الجلوس وعدم دخول غرفتي والجميع تفهٌَموا الأمر وكانوا خير سند لأمي ولي ولأبي.
أمي راعيتي ورفيقتي التي اخذت العبء على عاتقها فابي رجل يتعب في عمله وكما أخبرتكم هو من يجني المال من أجل مصاريف البيت لكنه غير منقطع عن متابعتي يوميا
امي رغم صغر سنها فهي لم تتعد منتصف الثلاثينات من مرها لكنها سيدة ذكية معطاءة ومجتهدة …سلاحها الروحاني إيمانها بالمعجزات من القدير بشرط العلاج وعدم إهمال الدواء . اعقل وتوكل .. هكذا هي أمي التي عرفت تجارب الموت وهي في سن مبكرة نوعا ما فقدت زوج أختها وقامت أمي بالعناية بأولاد اختها بنت العشرين عاما ،التي صدمت بموت زوجها وعانت الكثيرة لفترة طويلة وكانت أمي الخالة الراعية والمربية لأولاد أختها.
وهي ترى في الشكوى والأنين بؤسا وذلا ولا تطيق نظرات الشفقة .. ولكنها لا تخفي مرضي لأنها متأكدة من أنه بداخل كل واحد منا كلام نحتاج إلى أذن وقلب يسمعانه وعلٌَمتني ألاٌ أتجاهل الألم لكن أخبرتني كيف أتحداه بابتسامة كما فعلت هي
تجربة الموت التي مرت بها أمي جعلتها أقوى لأن المصائب تصقل الإنسان وتجعله يخرج منها أقوى مما كان ، واقتنعت أمي أن حزنها الشديد على زوج أختها الفتاة في مقتبل العمر لن يغير الحال الى الافضل، فالواقع باق كما هو سواء حزنا أو فرحنا
فبقيت تقول : لولا الأمل لماتت أرواحنا

أصدقائي
أحٌَبُ أصدقائي إليٌ هو جلال الممتلئ خفيف الظل يأتي بقامته القصيرة يضحك معي دائما ونتراسل كثيرا على موقع التواصل ، الواتس ونتحدث في الهاتف وهو مريض سرطان تعافى مثلي وقد رافقته في رحلة إلى أنطاليا وكنت سعيدا جدا لأنه كان شريكي في الغرفة سيما أنني امتنعت عن المشاركة في الرحلة وقلت لأمي أنني لا أعرف الكثير من المشاركين لكنها أخبرتني بأن” ابو محمود “المنظم لفعالياتنا في جمعية أشواق الربيع التي تعنى بامور وشئون مرضى السرطان وخاصة الترفيهية مثل تنظيم محاضرات لنا وحلقات مشاركة مع المرضى من كل مكان نساعد بعضنا ونتبادل الدعم المعنوي حين نحكي قصصنا
وقد اتصل “ابو محمود” بأمي وأخبرها أن جلال هو شريكي في الغرفة ، فقفزت من الفرح وكانت رحلة ممتعة جد..
لكن أجمل الرحلات التي نظمتها لنا الجمعية كانت الرحلة إلى نيويورك والمكسيك
نيويورك مدينة من الإسمنت لم أشعر بالحرية، الناس باردون شعرت بينهم بالغربة . أما الفرحة الكبرى فكانت حين وصلنا الفندق في المكسيك فاستقبلونا بالغناء والصخب والضجيج كأ0ننا في كرنفال يرتدون قبعاتهم الكبيرة المصنوعة من القش وملابسهم الزاهية الأطلوان ولو خيروني العودة لاخترت المكسيك حيث الغابات والرمل والشمس والمرح والسرور ، حتى تلك الحرباء الضخمة بجانب الفندق أحببتها
وقد اسفتُ حين أقلعت الطائرة مغادرة المكسيك وودعت الذين تعرفت اليهم بحرارة.
البكاء
لا أنس ولن تزول من ذاكرتي تلك اللحظات الٌتي كان الألم يمزقني فأبكي بصمتٍ وتَتَنبٌه أمي إلى دموعي وهي تتظاهر بالصبر لكن عيناها كانتا كالجمر بسبب السهر والبكاء سرٌا إلى أن كان يوم …وأنا طريح لفراش أحاول ألاٌ أصدر الأنين فقالت أمي بكل هدوء : مجد تعال نبكي بصوت عالٍ هل تريد البكاء ؟
وأجهشنا بالبكاء حتى أفرغنا كل ما تجمٌَع في صدرينا من كبت وحزن …وهكذا صارت لدينا طقوس للبكاء كلما شعرنا بالضغط .
.اليوم نضحك على ذلك البكاء وكيف كنا نتشاركه حقا فأحيانا لا تقدر قيمة اللحظة الا عندما تصبح ذكرى ، كانت لحظات تفريغ وراحة لكلينا أنا وأمي.

الهدايا
كم كنت انسى الالم الشديد ولا اشعر بان المستشفى موحش بل اراه جميلا حين كان يزورنا الناس والجمعيات والكثير من محبي الخير الذين يتفقدون المرضى ويقدمون لنا الهدايا المختلفة فكنا نضحك ونطير من السعادة .
وكم كنت أتحرٌق للعودة إلى البيت في ذلك اليوم وهو عشية عيد الميلاد المجيد وقد حضر إلينا الكثير من الزوار وجمعيات الدعم وتكاثرت حولنا الهدايا والحلوى .. أنا مشتاق للوصول إلى البيت لأفتحها وأُزيل أغلفتها الملونة وأراها ..وقد ضحكتُ من كل قلبي حين أخبرتني أمي أن صندوق سيارة أبي قد امتلأ بالهدايا ..يا لسعادتي ..أكاد اطير فرحا …ما اجملهم هؤلاء الناس الذين يحضرون لنا الهدايا.

الاحتفال الكبير
دخلنا المنزل كان الأقارب قد تجمعوا في انتظارنا إلى جانب الشجرة العملاقة المزيٌنة لاستقبال العيد ، احتضنوني وعانقوني ودموع الفرح تغمر الجميع وبعد قليل قُرِعَت أجراس العيد وتصاعد رنينها من الكنيسة .. ليلة عيد ليلة عيد .. الليلة ليلة عيد …غنٌى الجميع أضأتُ الشجرة التي أبهرت أبصارنا بالأضواء الملونة .. تبادلنا الهدايا وطبعا لم ينسوا أنه عيد ميلادي أيضا …فلم يعد للفرح مكان لكثرة ما طفحت قلوبنا به …انا قائد هذه السهرة العائلية الكبيرة .

يا الله الفرحة لا تسعني والصحة والعافية هما السعادة ..نعم إن الصحة تاج على رؤوس الأبرياء لا يعرف قيمته ولا يراه إلا المرضى..
مرض وعافية يا ما أحلاه ..هكذا ردٌدَت جدتي ..وما نحن يا أصدقائي سوى أغصان أشجار تتمايل مع الريح والويل لنا إن لم نتعايش ونتأقلم ونصبر لأنٌنا سوف ننكسر
بعض الألم يعيد ولادتنا من جديد.. نعم إن بعض الصدمات تكون بإرادة الله القدير الذي يهدينا الأجمل والافضل دائما.

أضف تعليقاً