عاد الفأر الشاب إلى جحره بعد يومين، قضاهما في مهمة سامية كلفه بها أبوه: استكشاف المنطقة المحيطة والبحث عن مأوى جديد للعائلة المشردة، انتابته الوساوس. أشفق أن يكون قد أصاب أهله في غيابه مصيبة، انخلع قلبه هلعًا حين وجد أباه وأمه العجوزين يلهثان، وقد بدا عليهما الحزن والغضب.
لم يُطق صبرًا حتى سألهما مرتعبًا:
– ماذا جرى؟
في نفس واحد رد الفأران الكبيران:
– هاجمتنا القطط مُجددًا، لقد نجونا بأعجوبة من موت محقق وفقدنا كل صلة بالآخرين. صرنا فرائس بعد أن كنا صيادين!
لم يتمالك الفأر الشاب نفسه وصاح في عصبية:
– ألم أقل لكما؟ لم يعد لنا مقامٌ ها هنا. إننا بين مطرقة البشر وسندان الجوارح! سنتخطف واحدًا واحدًا بلا حول ولا قوة، ولا مخبأ لنا سوى الجحور المتهاوية والحفر الكريهة!
قال الفأر الكبير بأسى وقد تغاضى عن صوت ابنه المرتفع:
– لكنها أرض أبي وجدي، عمرناها كابرًا عن كابر، ولن أبرحها حتى أموت فيها. وهل نسيت أنك أيضًا ولدت عليها؟
تبسم الشاب معتذرًا وتلطف في الجواب:
– لم تعد أرضًا مميزة منذ هدموا المطعم الشهير. لقد أصبحنا جوعى وفي العراء. والمطاعم غيره كثيرة يا أبي، أرجوك، أنصت إليّ ولو مرة، لقد آن لنا أن نتحول عن هذه الخرابة المكشوفة. لن نسافر بعيدًا، لقد وجدت مخزن غلال قريب يؤمن لنا قوت سنة، وإن قرمنا إلى اللحم فالبيوت حولنا كثيرة، نغير عليها من حين لآخر. وعلى كل حال يمكننا العودة متى أعادوا افتتاح المبنى الجديد.
تأوه العجوز متندمًا على الأيام الخوالي المدبرة إلى غير رجعة:
– واحسرتاه على الموائد العامرة، التي طالما أتخمتنا بأشهى اللحوم! قد تكون البيوت أدفأ لكنها لا تقارن بالمطاعم! إنّ المطعم لم يكن يوفر لنا المبيت والطعام فحسب!
سأل الصغير في سذاجة:
– كيف؟
أجاب العجوز في حنكة وهو يضغط على مخارج الحروف:
– الأمن يا بني! النعمة الكبرى بعد الشبع!
منذ افتتاح المطعم حتى هدمه، هل رابك ظِلُّ قطة أو كلب؟!

أضف تعليقاً