الظلام مصدر الخوف بالنسبة للإنسان منذ وجد على الأرض. كان أسوأ مخاوفه لأنه بالعجز. كان يخشى من الحيوانات المفترسة وخلاف ذلك.
وكنت أنا كذلك، منذ صغري وأنا أكره الظلام وكنت أشعر بالرعب حينما كانت تطفئ النور لكي أنام، حينها كنت أعلم أن جميع العفاريت والأشباح سوف تظهر لي في وقت واحد ويتسلون بالتهامي.
لا أعلم لماذا تذكرت كل تلك الخواطر وانا أهبط الدرج إلى قبو منزلي الجديد لأنظفه. اقتربت من الباب وبحثت عن المفتاح…لكن لحظة! من أين يأتي صوت المياه هذا؟
إنه ليس هدير ماء ولكن صوت أمواج بحر قريب من هنا . أخرجت المفتاح من جيبي وأدرته بالقفل .دخلت لأجد نفسي على شاطئ البحر. غريب!
كيف حدث هذا ؟ تمشيت على الشاطئ قليلا واذا بي ألمح من بعيد مجموعة من الفتيات يرقصن على الشاطئ وهم عراة . لا أخفي سرا ، فأنا على الرغم من أني خائف إلا أن هناك شيء دفعني لاقترب منهن . اقتربت منهن جدا وهممت لأن أدخل في دائرتهن حتى تغير كل شيء فجأة . فقد احمرت عيونهن وأصبح شعرهن عبارة عن حبال خشنة ووجوههن قبيحة جدا . اقتربت مني احداهن ولمست يدي . هنا صرخت من الرعب وانتفضت . أفقت لأجد زوجتي تمسك بيدي.
وهي تقول بلهفة : علي! مالك يا حبيبي؟ …
أجبتها : لا، لا شيء ، انا فقط سرحت قليلا .
قالت: وجدتك قد تأخرت على الغداء فأتيت لأراك، وجدتك واقف أمام القبو سارحًا، ولما اقتربت منك وجدتك فزعت.
اجبتها: آسف يا حبيبتي، هيا بنا.
ذهبت وتناولنا طعام الغداء سويا وعدت للقبو مجددا وأنا جاهلا كل الجهل بما ينتظرني.
الباب الأول
عدت إلى القبو بعد أن أنهيت غدائي . اقتربت من الباب ولكن لم أسمع أي أصوات تلك المرة أدرت المفتاح بالقفل ودخلت وكان كل شيء طبيعيا هذه المرة عدا الظلام الدامس المنتشر في المكان ذكروني ان أصلح المصباح في المرة القادمة . أشعلت عدة شموع وبدأت ملامح القبو في الظهور .يوجد الكثير من الفوضى هنا ، عدة صناديق ومجموعة من الاخشاب بالإضافة إلى الرائحة الكريهة الطبيعية والتي توحي بأن المكان فندق كبير للفئران .أمسكت بأحد الشموع وتجولت في المكان وبالفعل وقعت عيني على احد الفئران وهو يختبئ. وأثناء تلك الجولة وجدت بالقبو ثلاثة أبواب . عجبا! لماذا يصنع صاحب المنزل ثلاث أبواب للقبو بالرغم من انها جميعا تؤدي إلى الحديقة. شيئا ما دفعني أن افتحها لأرى ما بها وشيئا آخر يمنعني، لكنني انتصرت على مخاوفي واقتربت من الباب الأول . حاولت فتحه لكن الصدأ كان متراكم عليه مما جعلني أفتحه بصعوبة. بالفعل هناك سلم يؤدي إلى الحديقة، وضعت قدمي على أول درجاته .فجأة رأيت مجموعة كبيرة من الناس منحنية أمام أحدهم الجالس على العرش . من هيئتهم وملابسهم القديمة يبدو أنهم المصريين القدماء . مر وقت طويل دون أن يرفع الناس رؤوسهم . وكان الملك يجول بعينيه في القاعة فاذا به يراني واقفا غير منحني، مرتديا ملابسي العادية التي كنت بها في القبو. صرخ في حراسه بعد أن أشار إلي. كان يتكلم بلغة غريبة لكني كنت أفهمه رغما عن ذلك . لابد أنها الهيروغليفية .
قال لحراسه : احضروا هذا الشخص .
اقترب الحراس مني وامسكوا بي .
اقتربنا من الملك فسألني : من أنت ؟
اجبته : انا علي صاحب هذا البيت .
قال مستنكرا : انت شخص غريب .
هتف وزيره : لابد أنه من الفينيقيين او الرومان ، إن ملابسه غريبة رغم لغته التي يتحدث بها وهي قريبة من لغتنا .
قاطعه الملك : لكن لحظة ! أنت تزعم أيها الصعلوك أنك صاحب القصر ، أنت يا أرزل العوام تزعم أن قصر الملك المعظم رمسيس الأول هو بيتك ؟
ضحك ضحكة عصبية فضحك كل من كانوا بالقصر . انتظرت حتى فرغوا وقلت : انا لم أن القصر ملكي ، انا كنت واقفا الآن في منزلي، وفجأة وجدت نفسي هنا، ثم كيف جاء قصرك إلى منزلي بالدقي؟
رد بلهجة قاطعة : ليس لدي وقت لهذا الهراء ألقوه للنمور الآن لنرى ما عندنا يجب ان نجهز لحربنا .
اقترب مني الحراس ليمسكوا بي مرة اخري . هنا صرخت وهربت منهم وبينما أنا أجري اذ بي اصطدم بالباب الذي فتحته منذ قليل – المطل على الحديقة – والذي كنت على إحدى درجات سلمه . كيف حدث هذا ؟ كيف عدت للقبو وأغلقت الباب؟ كيف انتقلت من مكان لمكان ومن زمن الي زمن ؟ يكاد عقلي يجن. نظرت إلى ساعتي فوجدتها الثامنة مساءا .متى مر كل هذا الوقت ؟ عدت إلى غرفتي سريعا وتدثرت بالغطاء أمام دهشة زوجتي.رفعت الغطاء على رأسي وأخذت افكرفيما يحدث .هل ذلك البيت مطل على فجوة زمنية تجعل من يقترب ينتقل في الزمان والمكان ؟ ظللت أفكر حتى غبت عن الوعي ولا أعرف كم نمت.
الباب الثاني
فجأة شعرت بيد تهزني وصوت يهمهم: علي .. قم يا علي .. المعاد اقترب يا علي.
أزحت الغطاء وانا أعلم أن زوجتي توقظني لكي أذهب للعمل. نظرت إلى الساعة الموضوعة على (الكومود) لأجدها الساعة الثالثة فجرا. اندهشت ونظرت إلى زوجتي لأجدها تغط في نوم عميق. كدت أعود إلى السرير مرة أخرى ولكن شيئا ما بداخلي ألح عليَّ لكي أعود إلى القبو. الآن؟ كان من الممكن أن أعود إلى الفراش ولكن لا، ما دمت قد استيقظت الآن فلا بد أن هناك شيئا ما في ذلك القبو، ولا بد أن أعرفه. أخذت كشافا كبيرا وعدت إلى القبو لأعرف ما يوجد بالداخل. دخلت القبو وأنرت الكشاف واقتربت من الباب الثاني وفتحته بصعوبة أيضا واقتربت من السلم وانا أعلم أن شيئا ما سوف يحدث الآن . وضعت قدمي على الدرجة الأولى وإذا بي أجد قنبلة قادمة باتجاهي .تدحرجت لأتفاداها وسقطت على وجهي . بدأت أنظر حولي وأكون فكرة عما يحدث حولي ،إنها حرب ويبدو من ملابس الجنود أنها حديثة . إن الأشخاص الذين وجدت نفسي بينهم يبدو من ملابسهم أنهم مدنيين ويبدو أننا في مدرسة أو كانت مدرسة ،فهناك بعض المقاعد التي كان يجلس عليها بعض الأطفال يوما ما .هناك أحلام كانت تحلم هنا وآمال تبنى .لقد كان حدثي صحيحا فالحرب حديثة إلى حد لا يصدق . لقد نظرت إلى أحد الجدران لأرى صورة الرئيس صدام حسين ، إنها كما خمنت عزيزي القارئ إنها حرب العراق وأمريكا نحن الآن في عام 2003 والحرب في أولها. وعلي ما يبدو ان هؤلاء الناس يحفرون أنفاقا لمواجهة العدو ا
الذي لا يعرف عن اخلاق الحرب شيئا . هذا ما سيعرف لاحقا بحرب العصابات . لقد أذاق الشعب العراقي الجنود الامركان الويلات بسبب تلك الطريقة والتي يقال أن أول من طبقها هو المناضل الكوبي تشي جيفارا .انتهيت من أفكاري لأجد أنهم لا زالوا يحفرون الانفاق . هممت لمساعدتهم ووجدت رفش بالقرب مني اقتربت لآخده لكي أبدأ الحفر ، ولكن ما هذا؟ إنني لا أستطيع الإمساك به ،الغريب أيضا أن الناس هنا لم يندهشوا لرؤيتي نظرت إلى نفسي لأجدني عبارة عن طيف شفاف .يا ويلي .هل تحولت لشبح؟ لا أعرف . شعور غريب جعلني أرفع رأسي للسماء لاجد قنبلة اخرى تسقط نحوى. لم أستطع الفرار تلك المرة. أفقت لأجد نفسي ممددا على أرض القبو . قمت مسرعا متجها إلى الباب الثالث وشوقي إلى معرفة المزيد يقتلني. وقفت أمام الباب الثالث ولم أعد خائفا من شيء.
الباب الثالث
وجدت ورقة مثبتة على الباب ومكتوب عليها بالدماء ” إن المعرفة غالية الثمن ” ، اذا أردت المزيد عليك بالمقايضة : المعرفة مقابل حياتك ” تلك الجملة أشعرتني بالرعب لكني بمزيد من الشوق إلى ما خلف هذا الباب جعلني أفتحه دون تفكير …
– أين علي؟
ازدحم منزل علي برجال المباحث والجيران الفضوليين. فقد مر يوم كامل ولم يظهر علي . قالت زوجته أنه منذ ليلتين كان قد دخل إلى الفراش مبكرا وهو خائف ومنذ ذلك الحين لم تره زوجته مرة أخرى. أخبرها ضابط المباحث أنه سوف يقوم باللازم لكي يعرف مكانه وعليها أن تطمئن . مر أسبوع ولم تسمع جديدا عن زوجها. وذات ليلة بينما هي جالسة على الكرسي محتضنة صورة زوجها وتبكي عليه ، سمعت صرخة مريعه تأتي من ذلك القبو اللعين … مرت عدة دقائق ثم استجمعت شجاعتها وأخذت كشافا ودخلت القبو . نزلت السلم لتجد أروع أفظع مشهد رأته في حياتها . فقد كان علي واقعا على الأرض وعيناه مفتوحة وعليها أعتى علامات الرعب وفمه مفتوحا يسيل منه اللعاب والدم، ومكتوب بجواره جملة بالدماء: المعرفة ثمنها الحياة . الغريب في الامر أنها لم تصرخ وتوقفت عن البكاء. نظرت لتجد الباب الثالث مفتوحا ألقت بالكشاف واتجهت إلى الباب وهى تردد: المعرفة ثمنها الحياة. تردد مرة وتضحك مرة
ترى !! ماذا شاهد علي جعل نهايته قريبة؟ ماذا رأى لكي يكون الثمن حياته.