أقبلت يسبقها عطرها . كان الخادم على وشك الانصراف ليعدَ له قهوة الصباح , فناداه بمرح : أضف مشروب ” الحبّوبه ” . ابتسم الخادم العجوز وهى تداعبه كعادتها بنطق اسمه منغماً ممطوطاً . دبت روح خفية ” شقية ” فى المكان . قالت فيما يشبه الشقشقة : لم يكن حلماً إذن .
قال : حضورك هو الحلم , هلمى اطبعى قبلة هنا , وأشار إلى جبهته . مالت فمست بشفتيها وجنته , فقهقه من أعماق قلبه . قالت : طالت غيبتك هذه المرة .
قال : طاب لىَ الكسل . قليل من الناس فى فرنسا يعرفوننى , أتمتع بحرية طائر خارج القفص . كما أن شيئا هنا لم يعد يجذبنى . قالت كالمغاضبة : ولا حبيبتك ” النونو ” ؟ .
ضحك : أنا لا أسافر بدونك , أحملك دوماً معى .
– ها قد عدنا الى الكلام المعسول .. هات ماعندك .
– مراد .. تعرفينه ..عرضَ عليه ناشر لبنانى طبع كتابه الأول .
واصلت الصمت وهى تنظر فى عينيه , تلك النظرة التى عشقها فى عينى امها منذ عقود .
قال : يكتب القصة القصيرة . سألت : هل هو كاتب جيد ؟
أومأ برأسه موافقاً . حلت فترة صمت . مدت أناملها تداعب خصلات الشعر الفضى على فوده .
قالت : تمنيتُ طويلاً لو كنت أبى الفعلى .
قال : ومن أدراك أننى لست أبيكِ الفعلى ؟
توقفت أناملها . رمقته بنظرة تكسوها الريبة والمباغتة .
ابتسم وهو يداعب أرنبة أنفها : نلتُ منك . حصلت على تلك النظرة المدهوشة الساحرة التى ورثتها عن أمك , المرأة الوحيدة التى أحببتها .
ابتسمت بمكر , ولم تسأل كعادتها عما حال بينهما وبين الزواج , ليراوغ كعادته , ويستغرق فى حكاياته دون أن يقدم إجابة مباشرة . سألت : قلت أنه يكتب القصة القصيرة .
أدرك أنها تحول اتجاه الحديث .. احتلت ببساطتها وعفويتها نفس المساحة التى كانت للحبيبة الراحلة قبل الحادث الذى أودى بحياتها . تباغته لحظات كالبرق الخاطف يراها أنثى . تمتم كأنما يعترف أمام الهيكل . أمسكت أنفاسها , تصغى بانتباه : كانت ملهمتى , كل امرأة صورتها فى واحدة من رواياتى تجسد جانباً منها .. كانت تلطم صدرى هاتفة : أهكذا ترانى ! .. ثم تروح تقذفنى بكل ماتطوله يداها . بعد رحيلها لم أكتب حرفاً واحداً بصدق , كأنما جفف موتها ينابيع الروح .. سببت لها الكثير من الآلام . كنت مفتوناً بنفسى .. الوسامة , والثروة , والشهرة .
جرت بأناملها على صفحة وجهه , وهمست : رحت بعيداً .
نهضت , بدلت جلستها : قلت أنه كاتب جيد .
ابتسم بعرفان : يكتب القصة بإحساس طازج , يتقمص شخصياته , ويمنحها إرادة حرة , وحياة متدفقة . كتابة تختلف عن حكايات قبل النوم المملة .
– فلينشر إذن كتابه مادمت تراه أهلا لذلك .
– أتذكرين كتابى الأول ؟
– كنتُ أغفو على ركبتيك بينما تثرثران , كنتَ لا تزال فى الخدمة , رجل مميز ملء السمع والبصر , شخصية عامة. وعندما طرح كتابك – أذكر تعبيرك – خرجت من الشقوق حيات لم تكن تتوقعها , طعنت فى أهليتك للمنصب المرموق الذى كنت تصبو إليه .
– هل كنت على صواب عندما استسلمت للإغراء ؟ .. كان مقعد المحافظ يلوح عند أول منعطف , لكنهم برعوا فى اجتزاء فقرات من الكتاب فسروها لصالح خصومى , وهكذا دفعونى إلى الاستقالة .
قاوم إغفاءة ألمت به , حاول الإمساك بأطراف الحديث , نسى الجملة التى توقف عندها . فاه بالخاطر الذى ألح عليه : تعرفين ولع الناشرين بالأسماء .. إنهم لا ينظرون إلى ماتكتبين .. بل إلى الهالة التى تحيط باسمك .
أدركت أن عليها أن تهدهده . دارت حول السرير , رفعت أطراف الغطاء وغطت منكبيه . مسدت رأسه بحنان . ابتسم بعذوبة واستسلم للنوم , بينما يراوده هاجس الأحلام المستحيلة .

أضف تعليقاً